حازم القرطاجنيّ

محمد خضير

شعرية أرسطو هي جوهر أفكار حازم القرطاجني، هنا الفكرة التي يمكن استنتاجها منذ الوهلة الأولى عند الانتهاء من قراءة الرجل الذي لعله الأعمق إدراكاً لمفهوم الشعرية الأرسطوطاليسيّة، وليس لمفهوم الشعر أو فن وصناعة الشعر في الثقافة العربية، علماً بأن الباحثين يعرفون أن كتاب أرسطو يعالج خصائص الملحمة والتراجيديا، وأن مسعى حازم أمر مغاير لأنَّه انهمك بالصناعة الشعرية العربية، معترفاً بأن خصائص الشعر العربي مختلفة عن مثيله اليونانيّ، قائلاً: «ولو وَجد هذا الحكيم أرسطو في شعر اليونانيين ما يوجد في شعر العرب من كثرة الحكم والأمثال، والاستدلالات، واختلاف ضروب الإبداع في فنون الكلام لفظاً ومعنى، وتبحّرهم في أصناف المعاني، وحسن تصرفهم في وضعها ووضع الألفاظ بإزائها، وفي إحكام مبانيها، واقترانها ولطف التفاتاتهم وتتميماتهم واستطراداتهم، وحسن مآخذهم، ومنازعهم وتلاعبهم بالأقاويل المخيَّلة كيف شاؤوا، لزاد على ما وضع من القوانين الشعرية».

إن لهذه الصناعة حسب حازم، بل لهذه الشعرية في فني الشعر والنثر، قوانين تجعل الكلام يختلف عن الكلام العاديّ، وأول دلائل انهماك القرطاجني بشعرية أرسطو ركونه إلى مفهومي ﺍﻟﺘﺨﻴﻴل والمحاكاة، والأول قادم من قراءة مفكري الإسلام لعمل أرسطو الأورغانون، ومن ثم كتاب «الخطابة»، والعمل الأول أشرنا إليه بمناسبة حديثنا عن الجاحظ.
لكن فلاسفة الإسلام ربطوا على نحو وثيق بين مفهوم التخييل وعملية التلقي على أساس الفاعلية الوظيفية التي للشعر. فالفارابيّ يذهب ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺍﻟﻐﺭﺽ ﺍﻟﻤﻘﺼﻭﺩ بالأقاويل ﺍﻟﺸﻌﺭﻴﺔ ﺃﻥ تنهض بالسامع نحو فعل الشيء الذي يخيل فيه أمراً ما من طلب له أو هرب عنه… »، بينما يرى ابن سينا أن التخييل هو السمة الخاصة التي تميَّز الشعر عن النثر، ولا يصبح القول شعراً بمجرد أن يكون موزوناً، فيذكر: «قد تكون أقاويل منثورة مخيلة وقد تكون أوزانا غير مخيلة لأنها ساذجة بلا قول، وإنما يجود الشعر بأن يجتمع فيه القول المخيل بالوزن»، أما المحاكاة فهي سبيل وطريق التخييل.
يتحدَّث القرطاجني بالأحرى عن «القول» الشعري و»الأقاويل» الشعرية ولا يربطها بالشعر بالضرورة ودائماً، إنه يتحدَّث دوماً عن الشعرية، فالشعرية تنتج عنده من عمليتين متعاضدتين في النص الأدبي هما: التخييل، وحسن التأليف وما بينهما من تعاضد؛ إذ إن كلاً منهما لا تتحقق فاعليته في النص الشعري بعيداً عن الآخر. فليست المحاكاة في كل موضع تبلغ الغاية القصوى من هَزِّ النفوس وتحريكها، بل تؤثر فيها بحسب ما تكون عليه درجة الإبداع فيها، وبحسب ما تكون عليه الهيئة النطقية المقترنة بها، وبقدر ما تجد النفوس مستعدة لقبول المحاكاة والتأثر لها».

ويفصّل القول ﻓﻲ ﻁﺒﻴﻌﺔ الأقاويل ﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ وكيفية تأثر ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭ بها، ﻭﻴﻘﺴّم ﺍﻟﺠﻤﻬﻭﺭ حسب تأثُّره ﺇﻟﻰ أربعة ﺃﻗﺴﺎﻡ: ﺇﻥ الأقاويل ﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ ﻻ تخلو من ﺃﻥ تكون المعاني ﺍﻟﻤﺨﻴﻠﺔ ﻓﻴﻬﺎ مما يعرفه جمهور من لغتها ويتأثر ﻟﻪ، ﺃﻭ مما يعرفه ﻭﻻ يتأثر ﻟﻪ، ﺃﻭ يتأثر له إذا ﻋﺭﻓﻪ، ﺃﻭ مما ﻻ يعرفه ﻭﻻ يتأثر ﻟﻪ لو ﻋﺭفه.
بالطبع لحازم تصورات مهمة عن «الالتذاذ» بالقوافي والموسيقى – ليس بالمجانيّة التي تشفّ لدى آخرين من سابقيه ومجايليه – مما لا يتسع المجال له هنا، بل إن اختصار وعي القرطاجني بالشعرية هذه، وإثبات ذلك بقوة يحتاج عملاً مطولاً.
من هو القرطاجني؟
وُلد أبو الحسن حازم بن محمد بن حسن القرطاجني عام 1211م بمدينة قرطاجنة، عاش في طفولته وشبابه عيشا رغدا، حيث كان أبوه متولياً القضاء في قرطاجنة حتى وفاته سنة 1239م. بدأ بحفظ القرآن، وتخرج على كبار الشيوخ، وفي يفاعته بدأ بدراسة العلوم الشرعية واللغوية، فصار فقيها مالكي المذهب، نحوياً بصريّ المنزع كغالبية علماء الأندلس، حافظاً للحديث، راوية للأخبار والأدب، شاعراً. وتوجّه باكراً إلى مطالعة كتب الفلسفة الهيلينية في المنطق والخطابة والشعر، هاجر إلى مراكش ومنها إلى تونس وبقي يعيش في ظل الحفصيين إلى أن توفي سنة 1285 .

من أهمّ أعماله قاطبة كتابه «منهاج البلغاء وسراج الأدباء»، تقديم وتحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة مثلاً، الطبعة الثالثة، دار الغرب الإسلامي، بيروت 1986.

“الشعر كلام موزون مقفى من شأنه أن يحبّب إلى النفس ما قصد تحبيبه إليها، ويكره إليها ما قصد تكريهه، لتحمل بذلك على طلبه أو الهرب منه، بما يتضمن من حسن تخييل له، ومحاكاة مستقلة
بنفسها أو متصورة بحسن هيئة تأليف الكلام أو قوة صدقه أو قوة شهرته أو مجموع ذلك».
__
“إنما يرجع الشاعر إلى القول الكاذب حين يعوزه الصادق والمشتهر بالنسبة إلى مقصده في الشعر، فقد يريد تقبيح حسن وتحسين قبيح، فلا يجد القول الصادق في هذا أو المشتهى، فيضطر حينئذ إلى استعمال الأقاويل الكاذبة».
__
“فإن الشاعر إذا وصف شيئاً بصفة موجودة فيه، فأفرط فيها كان صادقاً من حيث وصفه بتلك الصفة، وكاذباً من حيث أفرط فيها وتجاوز الحد».
__
«إن العرب كانت تقول الشعر لوجهين: أحدهما ليؤثر في النفس أمراً من الأمور تعد به نحو فعل أو انفعال، «والثاني للعجب فقط، فكانت تشبه كل شيء لتعجب بحسن التشبه.
__
«لأن الاعتبار في الشعر هو التخييل في أي مادة اتفق، لا يشترط في ذلك صدق ولا كذب، بل أيهما ائتلفت الأقاويل المخيلة منه فبالعرض، لأن صنعة الشعر هي جودة التأليف وحسن المحاكاة، وموضعها الألفاظ وما تدل عليه…».
__
يُعرّف التخييل بأنه :
«انفعال يظهر في صورة تعجب أو تعظيم أو غم أو نشاط من غير أن يكون الغرض بالقول اعتقاد البتة».
__
تخييل :
«الشيء قد يكون محسوساً عندما يــُشاهد ثم يكون متخيلا عند غيبته بتمثــّل صورته في الباطن»
__

«والتخييل أن تتمثل للسامع من لفظ الشاعر والمخيل أو معانيه أو أسلوبه ونظامه وتقوم في خياله صورة أو صور ينفعل لتخيلها وتصورها أو تصور شيء آخر بها انفعالا من غير روية الى جهة من الانبساط أو الانقباض»
__
فالكلام الشعري هو: «بما يتضمن من حسن تخييل له ومحاكاة مستقلة بنفسها أو مقصورة يحسن هيئة تأليف الكلام».
__
” قد صح بالاعتبارات البلاغية في تناسب المسموعات وتناسب انتظاماتها وترتيباتها وكون المناسبات الوزنية جزءا يدخل تلك الجملة أن الأوزان المستعملة الآن عند أهل النظم – مما ثبت استعمال العرب له وما شك في ثباته، وما لم يثبت أصلا بل وضعه المحدثون قياسا على ما وضعته العرب – متركبة من ثلاثة أصناف من الأجزاء خماسيات وسباعيات وتساعيات، وإن لم يسلم في هذا العروضيون ”ولو أجروا أواخر الكلم كيف اتفق، لم يكن ذلك ملذوذا، لأن ذلك أمر لا يرجع إلى نظام… ولو كان الأمر على غير نظام ، لما كان للنفوس في ذلك تعجيب، ولكانت الفصاحة مرقاة غير مُعجزة أحداً».
__

«وأنت لا تجد شاعراً مجيداً منهم إلا وقد لزم شاعراً آخر المدة الطويلة، وتعلَّم منه قوانين النظم، واستفاد منه الدربة في أنحاء التصاريف البلاغية».
__
« التخييل هو قوام المعاني الشعرية والإقناع هو قوام المعاني الخطابية، واستعمال الإقناعات في الأقاويل الشعرية سائغ، إذ كان على جهة الإلماع في الموضع بعد الموضع، كما أن التخاييل سائغ استعمالها في الأقاويل الخطابية في الموضع بعد الموضع».