حديث فـــــي الموسيقى

إعداد وترجمة : شاكر حربي

ثمة حكمةٌ صينيةٌ عن أهمية الموسيقى تقول «إذا وصل الخراب إلى موسيقى شعب ما، فاعلم إن الكارثة قد حلّتْ به منذ زمن بعيد». ولأن النغم مفتاح القلب على حد تعبير فاغنر، فإنه يستحق منّا وقفة لالتقاط الأنفاس وسط ضجيج العنف والأصوات النشاز وصخب الحياة التي تحولتْ إلى صراعٍ ضارٍ من أجل فرض الإرادة بالقوة، صراع بلا قلب لا يوجد في قاموسه كلمة رحمة أو نغمة. وأن نعيش في الراهن الدامي وحديث الثورات والاضطرابات والثورات المضادة وأخبار الموت واليأس، لا يعني أبداً الاستسلام بكل قوانا الذهنية لكل ماهو كئيب ومأساوي. بل هناك تساؤل مشروع حول جدوى الثورات والتغييرات إن لم تأخذنا للأفضل وأن لم تفتح أمامنا آفاقاً أرحب ولم تمنحنا فرصة السير نحو الأجمل والأرقى والأسمى.
لا شك أن تفوّق الموسيقى على الأدب، والدراما، والرسم، والشعر، ناجم عن لا قيديّتها، وعن استجابتها المباشرة إلى البديهة أو اللاوعي. هذا لأن من أعظم مزايا الموسيقى هو أنها تستطيع التعبير عن أي شيء، وكل شيء في شفرة يفهمها القلب دون تدخّل من الذهن الواعي. وكما إن للصوت دوره الرئيس في الموسيقى كذلك للصمت دوره الذي لا غنى عنه في بناء ونسيج المقطوعة الموسيقية. فالصوت: هو شكل من أشكال الطاقة التي تنتشر عبر الأوساط المادية (صلبة- سائلة –غازية) مشكّلة تموّجات صوتية من خلال التضاغطات والتخلخلات التي تصيب ذرات الهواء المحيطة بالجسم المهتزّ المولّد للموجة لحظة بدء انتشارها. يقول جلال الدين الرومي «اصمت واستمع للصمت لأن للصمت صوتاً».
تختلف سرعة الموجة حسب نوعية الوسط الناقل، فكلما ازدادت صلابته ازدادت سرعة انتشار الموجة. يطلق اصطلاح التردد (Frequency ) على عدد الاهتزازات في الثانية الواحدة، ويقاس بوحدة الهرتز HZ فكلما ازداد التردد (عدد الاهتزازات في الثانية الواحدة) ازدادت حدّة النغمة الموسيقية Pitch ، وكلما نقص التردد انخفضت طبقة النغمة. وتستطيع الأذن البشرية التقاط الاهتزازات المحصورة بين الترددين 16 HZ إلى 20000 HZ أو 20 KHZ . وضمن هذا المجال الترددي (السمعي ) للأذن البشرية تنحصر الأصوات التي نسمعها في محيطنا ضمن الحياة اليومية. أما الاهتزازات الموجودة خارج هذا المجال فلا تستطيع الأذن البشرية سماعها، وتسمى الأمواج فوق الصوتية أو تحت الصوتية. أما الشدة الصوتية (Dynamic ) تسمى المسافة التي يقطعها الصوت من أ إلى ب بـ (سعة الاهتزازة)، وهي المسؤولة عن مدى ارتفاع أو انخفاض شدّة الصوت (Volume ) وتقاس شدة الصوت فيزيائيا بواحدة الديسيبل (Decibel ). اللون الصوتي (Tone Color)، كما يعتبر اللون الأبيض مركّبا من مزيج من سبعة ألوان تسمى بألوان الطيف والتي تراها العين في آن معا. فإن أي صوت طبيعي هو عبارة عن مزيج من ستة عشر ترددا( نغمة) تسمعها الأذن البشرية كنغمة واحدة Harmonic Series . يقوم صندوق الرنين المصوّت يتضخيم شدة الصوت الناتج عن مولّد النغمة. يقول المهندس المعماري وعالم الصوتيات أدولف لوس Adolf Loss وهو حجة العالم في علم الصوتيات: إن سمعيات أي صالة لا ترتبط بشكل ونسب بنائها التي تتبدل من عصر إلى عصر وفقا لتطور الذوق المعماري فحسب بل إنها ترتبط بنوعية ونسب مواد البناء الداخلة في التكوين الداخلي لبناء القاعة. ومن الجدير بالذكر أن الجسم البشري يعّد من الأجسام الكاتمة للصوت، بل إن ارتداء الجمهور للملابس الصوفية الشتوية يلعب دورا كبيرا في زيادة عملية الكتم أكثر منه في الأمسيات الصيفية. وبالعودة إلى دور الصمت في الموسيقى نجد الناقد البريطاني نيفل كاردوس، حين يحلل موهبة أرتور شنابل في عزف موسيقى بيتهوفن (على البيانو) يرى إن إحدى أروع مزايا عزفه كانت طريقة حسابه، وسيتدرك قائلا بل عزفه المقاطع الصامتة. يؤكد سيريل سكوت على أن موسيقى بيتهوفن عبّرت عن هموم الناس: عن آلامهم، وحرمانهم، وأوجاعهم، وآمالهم ولعبت دورا في أنسنة الإنسانية، وإذا كان مستمع موسيقى بيتهوفن يتملكه نوع من الحزن فهو حزن ينفّس عن النفس. ويحدثنا سكوت عن تأثير موسيقى بيتهوفن على المجتمع البريطاني في العصر الفيكتوري، حيث الالتزام بآداب المجتمع والرصانة. عصر الكبت والكبح، وكانت العواطف تُقسّر فتبقى حبيسة الصدور. وكان هذا ينعكس على نحو صارخ على النساء غير المتزوجات (العوانس) هنا كانت موسيقى بيتهوفن بمثابة صمّام أمان. فعندما تعزف النساء سوناتاته، المشحونة بشتى العواطف الجياشة، كُنّ يُنفسن عن مشاعرهن. وبذا لعبت الموسيقى «موسيقى بيتهوفن بالذات « دوراً في رفع مستوى الصحة العامة للمجتمع. ولعل بيتهوفن بالذات كان في مقدمة الموسيقيين الذين تعبّر موسيقاهم عن الأسرار الخفية لبواطن العقل البشري.. إلى جانب ذلك يتحدّث سكوت عن حس الدعابة في موسيقى بيتهوفن، لاسيّما في مرحلة معاناته من الصمم. وربما بحكم ذلك كانت دعاباته الموسيقية من الصنف الذي يُوصف بأنه دعابة إنسان محكوم بالموت، سخرية من فقد كل شيء. وهذا ينعكس في الحركة الأخيرة من السمفونية السابعة، والحركة الأخيرة من السمفونية الثامنة، والحركة الثالثة من السمفونية التاسعة، إنها دعابة لا تثير الضحك، بل الحسّ بالمشاركة الوجدانية. ثم يذهب سيريل سكوت أبعد من ذلك، في إعتقاده بأن للموسيقى تأثيرا على البشر أقوى من أي مؤثرٍ آخر فيقول «إن الموسيقى- مهما بدا هذا القول مرعبا بالنسبة لبعضهم- لها تأثير أقوى على الناس من المعتقدات الدينية أو المبادئ أو الأخلاقيات الفلسفية». يقول علي الشوك في كتابه «أسرار الموسيقى»: إن الموسيقى في دلالاتها، وفي تعبيراتها العجماء، تتفوق على اللغة فيما توصله إلى المتلقي. من هنا يمكن للموسيقى أن تتسامى أكثر من اللغة. ومنذ بدايات القرن التاسع عشر نُظر إلى الفرق بين الموسيقى واللغة كمؤشر على إن ممارسة الموسيقى، أو بكلمة أدق، إبداع «المؤلفات الموسيقية المتميزة» ، هو وسيلة للتسامي.
وقد أشار إلى ذلك الناقد الألماني اللامع كارل دالهاوز في قوله: ولئن كانت الموسيقى، في إطارها الكنسي، قد شاركت الدين في إيمانه بـ (الكلمة)، فهي الآن، كموسيقى مستقلة بذاتها قادرة على التعبير عمّا « لا يعبّر عنه «. أصبحت «دينا بحد ذاتها».

*عن موقع
Arts and letters daily