حضور الفجوة بين العنوان والقراءات

ناجح المعموري

وجه المفكر غرامشي كثيراً من النقد للثقافة السائدة في التداول آنذاك . وكذلك للجماعات المتحمسة لها ، وكان غرامشي بذلك يضع الأصول الاولى للتوجهات الفلسفية لجماعة فرانكفورت والدراسات الثقافية وهما لادورنو وهو كهايمر مع افكاره ليؤسسا جوهر النظرية الاجتماعية .
هابرماس احد الطلاب الذين تعلموا كثيراً من فلاسفة فرانكفورت المشار لهما قبلاً. ووظف كل معارفه وثقافته التي حصل عليهما من استاذيه ، واجتهد بتطوريها بحيث توصل الى انتاج الكثير من الآراء ، حول اشكالية الماركسية الغربية واستطاع التوصل تدريجياً من تطوير تلك الآراء وصارت مشروعاً فلسفياً ، واغتنت بالمعرفية مع اساتذته . واستطاع ان يقدم جهداً فلسفياً ــ بالتدريج ــ عن العقل ، العقل التواصلي والنظرية النقدية الاجتماعية في اشتغالاته المبكرة ، حيث قدم مجموعة من التصورات التاريخية النقدية حول العبور من مجال الثقافة التقليدية والحيز العام الديمقراطي ، الى مجتمع الاعلام الجماهيري والاستهلاك وذلك في مشروعه الذي كشف عنه في كتابه ( التحول البنيوي للحيز العام ) .
لقد تميزت جهود هابر ماس في وضع تحليلات لادورنو وهوركهايمر في السياق التاريخي من اجل صناعة الثقافة من خلال عرض الخلفية التاريخية لانتصار الثقافة .
ناقش هابرماس كيفية تميز المجتمع البرجوازي في نهاية القرن الثامن عشر والتاسع عشر ، من خلال صعود مكانة الحيز العام ، دائماَ ما يكون بين المجتمع المدني والدولة ، والذي يلعب دوراً وسيطاً بين المصالح الخاصة والعامة . ولأول مرة في التاريخ صار ممكناً للافراد والجماعات تحديد ملامح الرأي العام ، واعطاء تعبير مباشر لحاجاتهم ومصالحهم اثناء تأثيرهم على العقل السياسي . فالحيز العام البرجوازي جعل الممكن تشكيل حقل للرأي العام المعارض لسطلة الدولة والمصالح المتنفذة، التي صنعت ملامح المجتمع البرجوازي .
***********************
« التظاهرات بوصفها خطاباً ثقافياً» هذا هو عنوان المؤتمر الجديد الذي عقده منبر العقل في الاتحاد العام للادباء والكتاب . وانا اعنقد بأن العنوان غير دقيق وينطوي على اشكالية ثقافية ومعرفية واول ملاحظاتي عليه انه عنوان «موضوعاتي» حسب مقولة دور كهايمر ، لان العنوان ينظر للظاهرة الكبرى من الخارج .
يمثل عنوان المؤتمر حلماً ، لا بل يعبر عن احلام ، لأنه لا يستند على اساس حقيقي يفضي لقبول نسبة من دور الثقافة في الفعل الجماهيري، واعني بذلك الشارع لا يعرف الفلسفة، ولا يتعاطى مع اهم العلوم الانسانية التي لها الدور البين في دعم التظاهر بوظائفه الاحتجاجية المطالبة بالحقوق المعترف بها من قبل المنظمات الدولية .
العراق بلد داهمته الحداثة لضرورات ، لم تتوفر له قناعات ، كذلك ظل الفكر الحديث طافياً ومحارباً ، وهذا ، يذهب بنا نحو الاعتراف بوجود خصوصيات ، تميز بين المجتمعات . اما الكونية فتدعي بانها شاملة لانها تذوب الخصوصيات الخاصة بالاخر وطغيان الحضارة الغربية كما تحاول دمج الحضارات والثقافات او تدميرها .
التظاهرات فعالية استطاعت بقوة انتاج الثقافة وليس العكس . واذا اردنا الاقتراب من الدور الثقافي كسبب ، اقول بانها تمثل خطاباً سوسيو ــ ثقافي وسياسي ونستطيع الذهاب نحو مصدر فلسفي قريب لنا في الحياة الثقافية ، واعني به د. علي الوردي من خلال رسالته للدكتوراه «علم اجتماع المعرفة» والذي ترجمته د. لاهاي عبد الحسين . ومعروف بأن علم اجتماع المعرفة هو جزء من علم اوسع هو علم الاجتماع وما يهمنا استلال الوردي لملاحظة حيوية للمفكر جويز حيث اشار الى العقل بأنه غير معصوم من الخطأ ، وانما هو الاداة من اجل الوجود . الانسان يرى الاشياء ليس كما هي في الحقيقة ، وانما كما تظهر له باحاديتها فيما تظهر في ظرف ثقافي واجتماعي ونفسي معين . تؤكد هذه الملاحظة الحيوية على ما ذهبنا اليه من تشارك الاجتماعي والثقافي كفاعل ثنائي في تحريك الجماعات والتظاهر ضد ركود الوضع العام والاختلال الكبير في الحياة والخدمات . ولذا انا اعتقد بأن التظاهرات متمظهرة عن خطاب سوسيو ــ ثقافي وليست بوصفها خطايا ثقافيا ، وتشترك عناصر عديدة مع الثقافي ، هذا ما اشارت له عديد من الدراسات الخاصة بعلم اجتماع المعرفة والنظرية الاجتماعية . كذلك لابد من الاشارة الى ان كل فعل يتبدّى خارج اطار السلطة هو فعل سوسيو ــ ثقافي . والتركيز على الثقافي غير صحيح ، لان المجال الاجتماعي مهم وحيوي في مثل هذه الفعاليات الشعبية ، التي طغت عليها الهموم اليومية والاحلام البسيطة . معبراً عنها بشعارات مركزة اختصرت الكثير من المجالات الاجتماعية المتردية / الفاسدة . ولان ما حصل في البصرة والمحافظات الجنوبية والوسط والفرات ظاهرة سياسية كبرى انطوت على رسائل جريئة وشجاعة ، كسرت الحاجز وذهبت بعيداً ، على الرغم من قساوة السلطة ووحشيتها وسقوط عدد من الشهداء ومئات من المصابين .
سأذهب نحو ملاحظة تنطوي على تذكير لوقائع ليست غائبة ، لانها تمثل الموروث والحاضر الديني الضاغط والمهيمن والذي جعلته السلطة احدى اسلحتها القوية لتحشيد الجماعات وتوظيفها شعبوياً ، واعني بها الطقوس الدينية . التي اعتقد بانها حاضرة في القراءة العميقة للتظاهرات ، وما افضت اليه من مسرحية وبروز التراجيديا ، من خلال مشاهد الاستهداف والتضحية وهنا يبرز دور الوعي واللاوعي لان التظاهرات ليست بعيدة زمنياً عن تاريخ عاشوراء المحدد سنوياً . كذلك لجأت السلطة عبر تفاصيل ثقافتها العنيفة الى استعادة بعض مشاهد عاشوراء ايضا .
في القراءة السريعة ، سيجد المتلقي بأن مقولة ادورد سعيد المعروفة عن «الامبريالية والسلطة والثقافة» قد تبدّت في بعض منها ، خصوصاً السلطة والثقافة ، ومثلما قال ادورد سعيد عن الحضور الدموي للسلطة التي لجأت هي الاخرى لثقافتها بوسائل تعبيرها العنيفة ، والتي واجهت موقفاً مضاداً من الجماعات الشعبية التي نجحت بتقديم ما يحفز الافراد على الاستمرار بالحلم والضغط في تحقيق تغيرات وهذا ما كان . كما فعلت التظاهرات على فتح مجالات وسط الفضاء وتوسيع الدور المعارض ودخول جماعات اخرى من الطبقات الاجتماعية التي تضررت اقتصادياً ، واندمجت مع التحشيد ولم تتقاطع معه .
*******************
اعتقد بضرورة الاقتراب من الخطاب السوسيو ــ ثقافي في مثل هذه الحالة لانه يساعد على الربط بين التظاهرات وشروط انتاجها . بينها والسياق الاجتماعي الذي نتجت عنه . وتبرز هنا فواعل المجال الاجتماعي وتأثيراته البارزة على الحدث الذي يمثل لحظة تاريخية بارزة بالعلاقة بين الافراد والجماعات والسلطة، وبالعكس . السلطة مكشوفة ومعاينة بالشارع ومستفزه للجماعات الفقيرة لأنها انتقلت من عتبة الحياة البسيطة جداً الى حياة الرفاهية والثراء الفاحش ، لذا كانت الفجوة شاسعة جداً ولم تتمكن مؤسسات الدولة من ردم الفجوة ولو بالحد الادنى . وفي لحظات معينة ، ارتفعت فيها آليات التعبير المضاد ، زجت السلطة مع الاسف بالجيش واتخذ موقفاً واضحاً وصريحاً على الرغم من تكذيب وسائل الاعلام وانحرف على وظيفته الوطنية وانحاز ذراعاً للسلطة .
نحن على الرغم من التردي وتهميش الثقافة والفن ، لكننا نعيش شكلاً من صناعة الثقافة التي تحدث عنها كثيراً هابرماز مثل سيادة الاعلام والثقافة الشعبية ( الساذجة) والبسيطة وشيوع المطبخ السريع والمتحرك ، وانفتاح اسواق ازياء تؤكد الغزو ما بعد الكولونيالي الاستهلاكي وبأسعار رخيصة ، لان شركات العولمة تريد شيوع ثقافتها واستمرار حضورها من اجل تحقيق حلم ربما يستغرق وقتاً طويلاً . وفي حينه سيكون لثقافة الاستهلاك والجماليات ردود فعل حادة وعنيفة وسط الجماعات وبين الافراد .
اقول بأن المؤتمر المكرس عن دور الثقافة في تعبئة الجماعات وتحشيدها ضد السلطة متميز وجريء ودخل اتحاد الادباء به ومن خلاله طرفاً جوهرياً بالقضايا ذات العلاقة المباشرة مع الحاجات اليومية للجماعات واعتقد بأن مثل هذه الدور سيضع مسؤولية مضاعفة على اتحاد الادباء وجمهرة الادباء والمثقفين وللأسف كان صمت بعض المنظمات ذات العلاقة المباشرة مع السلطة مثيراً للتساؤل واعني بها نقابة الصحفيين بوصفها المنظمة الاكبر والاقدر والتي لم تكلف نفسها ولو باتخاذ موقف مهين يضعها في صف حتى ولو بسيط مع القاعدة الواسعة للجماعات ، لكنها هبت تابعة ــ وللأسف ــ للسلطة ــ ويبدو بأن هذا الانحياز له جذور معنية بالتصالح مع هرم السلطة وتجاهل الحاجات اليومية للجماعات الواسعة ، ونسيان تنوعات الفساد وشيوع آليات الخراب . واخيرا بقدر تأكيدي على الموقف، اكرر تحفظي على عنوان المؤتمر، لأنه غير دقيق واغفل المجال الاجتماعي « علم اجتماع المعرفة « وما اراده العنوان ممكن لو ذهبنا لفحص ثورة الطلبة في فرنسا 1968 حيث كان قادتها ميرلوبونتي / سارتر / لاكان / ماركوز / ميشيل فوكو / بارت / جاك دريدا ، مع نخب فرنسية ذات فعل كبير في الجامعات والشارع .
لم يكن عنوان المؤتمر غائماً « التظاهرات بوصفها خطاباً ثقافياً» لم يتوفر على امكانية لملمة كل المتحدثين ولو بالحد الادنى . وهذا حق مشروع ، فكل واحد يتعامل مع الموضوع من وجهة نظره الخاصة ومثل هذا مثير في مجال الثقافة ، لكن الفجوة واسعة وعميقة بين الجميع على الرغم من وجود اصوات مثيرة للانتباه والاهتمام .
وهذا ممكن الحصول اذا كان عنوان المؤتمر غير مألوف ، مثلما حصل مع مؤتمر «الامن الثقافي» حيث كان المساهمات كشوفاً لان «المؤتمر الثقافي» مصطلح جديد، والاشتغال عليه فنح منفذاً سوسيو ــ ثقافياً، لكن عنونة المؤتمر الاخير ، اكثر من معروفة، بل هي جزء من متداولات اليومي، غاب الخطاب الثقافي وهيمن السياسي مع وجود استثناءات ، ذهبت نحو الجديد والملفت للانتباه .