«حطب سراييفو»..

ثنائية الحت والجنون بين الجزائروالبوسنة والهرسك 

حسين حمودة

لماذا تأخرنا في الكتابة عما حدث في سراييفو وما جرى فيها قبل ربع قرن من الآن؟ قد يتبادر إلى أذهاننا هذا السّؤال ونحن نتمّ قراءة رواية «حطب سراييفو» للجزائري سعيد خطيبي، التي صدرت مؤخراً عن منشورات الاختلاف/ الجزائر وضفاف/ لبنان. لكن، لا يهمّ تأخّرنا بحكم أن هذه الرّواية جاءت في وقتها الآن، كي تسدّ فراغاً، وتنبّهنا عما ضاع منّا من تاريخ مشترك مع مدينة من البلقان، كلّ اختلافاتها عنّ فضائنا العربي تجعلها تشبهنا.
أحداث الرّواية تدور في فترة زمنية محدّدة: العام 1998، في فترة كانت حرب البوسنة والهرسك قد انتهت، لكن تبعاتها تزداد ضراوة، بينما أحداث العنف في الجزائر كانت متواصلة، ولا أحد يعلم متى تنتهي. كما أن الرواية جاءت متشعبة في شخصياتها، لكن كلّها شخصيات ترتبط في ما بينها بحكايات جزئية أو رئيسة، مع شخصيتين أساسيتين هما: سليم وإيفانا، اللذان يتبادلان السّرد، كما لو أنهما يلعبان تنس الطّاولة، في حكايات متقابلة، ومعهما يتطوّر خيط السّرد ومن خلالهما نرى سراييفو والجزائر ونمسك بأوجه الشّبه بينهما. فقد كان للروائي قدرة على إعادة تشكيل مرحلة ماضية، وبعثها وتصويرها، بحيث نشعر بتآلف معها.
نتوقّع من بدايات الرواية أنّها تتّجه نحو قصّة حبّ بين سليم وإيفانا، بين شاب جزائري مُحبط وشابة بوسنية تبحث عن حياة مغايرة، لكن سعيد خطيبي لا يطمئن للقوالب الجاهزة، لهذا لا يملّ من مباغتة القارئ، ومن اختلاق توليفات غير متوقّعة، وينحو بقصة الرواية خارج أفق الانتظار. وحين نصل إلى النهاية تقابلنا ما يشبه الصّدمة، حيث يجد القارئ أن كلّ أحداث الرّواية كانت تمهيدا للحدث الأكبر في النّهاية، حيث يكتشف البطلان أنهما يعيشان حياتين مزيّفتين، وأن ماضيهما ليس هو ذاته الذي آمنا به وأنهما من منبتين آخرين، ليشرعا في رحلة ثانية، في البحث عن هويتهما الأصليّة.
يتعامل الرّوائي مع اللغة بسلاسة، وتوفّر لنا «حطب سراييفو» سرداً شيّقا، وبنية متشابكة كما لو أنها رواية داخل رواية، وتضعنا في مواجهة قصّة تتفرّع منها محاور كثيرة، لعل أهمّها الحبّ والجنون، ولكن أيضاً محاور جانبية عن الخوف والنّجاة وابتداع الحلم في الحدّ من سطوة الواقع. ولكن تضعنا أيضاً أمام مساءلة ومجادلات حول التّاريخ في البوسنة والهرسك والجزائر، حيث يجعل الروائي من التّفاصيل لعبته الأثيرة ويجعلنا في تماس مع ما حدث قبل ربع قرن من الآن كما لو أنه يحدث الآن أمام أعيننا.