حقوق الإنسان والعولمة المعاصرة

ميثم الجنابي

إن توحيد الأبعاد التاريخية والروحية والسياسية في الذهنية الاجتماعية والعملية والفكرية للفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة، بدأ من مناهج التربية والتعليم وانتهاء بالقانون العام، هو الأسلوب الوحيد لتكامل الحرية بالنظام. وبالتالي تحويل الحرية إلى نظام. مما يجعل من الحرية نظاما ذاتيا للحق المتراكم في الثقافة القومية. وبالتالي يعطي لها شرعية التغير والتبدل والتطور حسب الإجماع العام. وفي هذا تكمن الضمانة الفعالة لوحدة الحرية والنظام بوصفها مرجعية عليا. إذ ليست حقيقة الحرية سوى النظام الذاتي للحق المتراكم في الثقافة القومية.
إذ تبرهن التجارب التاريخية للأمم جميعا على أن حقيقة الحرية هي نظام، كما أن حقيقة النظام هي حرية. فحرية بلا نظام تؤدي بالضرورة إلى حرب أهلية ومن ثم إلى فساد شامل، بينما نظام بلا حرية يؤدي بالضرورة إلى فساد شامل ومن ثم إلى حرب أهلية. مما يعطي لنا إمكانية القول، بان حرية بلا نظام هي كنظام بلا حرية. الوسائل مختلفة والنتيجة واحدة وهي الخراب الشامل. ذلك يعني ضرورة النظر المرن الى وحدة الحرية والنظام. فوحدتهما ليست مطلبا سياسيا أو أمرا مرهونا بمتطلبات السياسة ومهماتها الآنية، بقدر ما ينبع من إدراك ما أسميته بضرورة المرجعيات الثقافية الكبرى بالنسبة لبناء الكينونة الذاتية (العراقية والعربية) وتطويرها المتجانس في مختلف مكوناتها.
ومن دون الخوض في تاريخ فكرة النظام وتأسيسها الفلسفي في مختلف المدارس، أشير هنا فقط إلى أن الجلي فيها كونها لم تزل تشكل محور الرؤية السياسية والأخلاقية للفلسفة، ولبّ فلسفة الحق وفكرة القانون والحقوق. وفي الواقع لا يمكن تخيل الفلسفة الاجتماعية والسياسية والرؤية الحكيمة المستنبطة من تأمل «تاريخ العبر» (حسب عبارة ابن خلدون) العالمي دون الوصول إلى إدراك قيمة النظام بالنسبة لآلية فعل الدولة والنتائج المترتبة عليها.
فقد بدأ الفكر الفلسفي والديني ومن قبله الأسطوري والعادي، بفكرة النظام ليجدها في كل تجانس متخيل ومقبول ومعقول. ورفعها بعد ذلك إلى مصاف التجانس التام في الفلسفة، والجنة في الدين. بل حتى أساطير الشعوب وحاكياتها وخرافاتها جعلت من النظام كينونة ذائبة في إعجابها الكبير بالبطولة والحق والخير والشرف والضمير، أي في الفضائل المعقولة القادرة على ترتيب الشعور والإحساس في وجدان أقرب إلى نغم الموسيقى ودقات القلوب العاشقة.
فقد كان «النظام» دائما مكونا جوهريا بالنسبة للوعي الاجتماعي الباحث عن تجانس شامل وتام لوجود الإنسان. وتحول على امتداد التاريخ إلى «فكرة» مركزية التفّ حولها الفكر الأخلاقي بمفاهيم الخير والفضيلة، والفكر الجمالي بمفاهيم الجميل والرائع، والفكر السياسي بمفاهيم الجمهورية المثلى والمدينة الفاضلة، والفكر الحقوقي بمفاهيم العدل، والمنطق بمفاهيم القواعد. كما شق لنفسه الطريق إلى كل نماذج ومستويات الوعي الاجتماعي بالطريقة التي كان يتلمس ويرى ويسمع ويتذوق ويرى النسب الحسنة والجميلة والمثالية والعادلة والمنطقية، أي الشعور بقيمة وأهمية وفاعلية النظام المتسامي في الوجود. من هنا، فإن حقيقة النظام تتعارض تمام التعارض مع ما هو متعارف عليه ومألوف في عرف الدكتاتوريات الفجة، التي لا يتعدى مضمونه عندها أكثر من هراوة تهشيم الحسن والجميل والمنطق والعدل في الوجود. وهو «نظام» يشكل بحد ذاته خروجا على حقيقة وجود الأشياء وتدميرا لها، مهما بدا في الظاهر «فعالا» و»مغريا» في «إنجازاته» المباشرة. وذلك لأن حقيقة النظام تقوم في توفير شروط الحرية بوصفها بحثا عن البدائل الواقعية والعقلانية، وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره، الفرد بمعايير الحقوق والواجبات، والمجتمع بمعايير ضمان شرعية المؤسسات، والدولة بمعايير إدارة وتنمية هذه الشرعية. وهي شروط يستحيل تحقيقها خارج واقع وتجارب التاريخ الفعلي للأمة. ذلك يعني إن حقيقة النظام بوصفه مرجعية هو مرجعية المنظومة.
وفي ظروف العراق والعالم العربي الحالية يفترض تأسيس النظام تفكيك البنية التقليدية والأصولية في الفرد والمجتمع و»الدولة»، عبر إرساء المنظومة المتكاملة للنظام الاجتماعي والسياسي والحقوقي على أسس عقلانية تدرك حدودها الواقعية ضمن تاريخ العراق والعالم العربي المعاصر. وهي حدود ينبغي أن تستمد مقوماتها من إدراك مستوى الخراب الذي حل في بنية الدولة والمجتمع والثقافة في العراق والعالم العربي. و»يرتقي» هذا الخراب في أغلب مكوناته الى مستوى «المنظومة». من هنا ضرورة أن يكون الإدراك شاملا للبديل الواقعي والعقلاني في فكرة النظام بوصفه مرجعية ثقافية. ويمكن تحقيق ذلك عبر الإصلاح الدائم لآلية عمل المؤسسات الشرعية للدولة، باعتباره الشرط الضروري لإرساء أسس النظام بوصفه بحثا عن البدائل العقلانية والواقعية وحق تجسيدها في مشاريع تخدم تكامل الفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره.
ولا يعني جعل النظام مرجعية ثقافية سوى تحويلها إلى مبدأ متسام وقانوني أعلى من كل التأويلات السياسية والحزبية المشروطة بالمصالح العابرة وأحكام العقائد والتفسير الأيديولوجي المسطح. بمعنى تحويل النظام إلى مرجعية تحكم حرية تنظيم عمل المجتمع على كافة المستويات. وبالتالي غرس الحقيقة القائلة، بان النظام هو شرط الحرية وحقيقة الثقافة السياسية الحية. وهي مهمة يتحمل وزرها الأفراد والحركات الاجتماعية والأحزاب السياسية بقدر متكافئ. وذلك لان حقيقة النظام هي منظومة متكاملة من القيم والمفاهيم والأفكار والقواعد التي لا يحدها شيء غير إدراك ضرورة التكامل الذاتي للفرد والمجتمع والدولة كل بمعاييره الخاصة. من هنا استحالة بناء النظام بوصفه منظومة دون تكاملها الاجتماعي في مؤسسات المجتمع المدني، ومن المستحيل تحقيق ذلك دون بناء المؤسسات الشرعية للدولة.مما يستلزم بدور في ظروف العالم العربي الحالية التركيز على أولوية بناء الهوية الوطنية والقومية بمعايير الفكرة الثقافية من خلال تأسيس رؤية متكاملة تتضمن في ذاتها وحدة الأبعاد التاريخية والسياسية والروحية لفكرة النظام نفسها.
والمقصود بالأبعاد التاريخية للنظام هي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على صياغة المشروع الواقعي للنظام استنادا إلى تجربة كل بلد عربي لحاله والعالم العربي ككل. وهو مشروع يسعى لتذليل المكونات التاريخية للتقليدية والأصولية من اجل غرس نموذج للوعي الذاتي مبني على أسس عقلانية لفكرة النظام الاجتماعي والدولة الشرعية ومؤسساتها القانونية. بمعنى العمل من اجل تعميق وتجذير الحرية الفردية والاجتماعية بوصفها الضمانة الذاتية للنظام.
أما المقصود بالأبعاد السياسية للنظام فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تحقيق البديل الشامل لأنظمة الحكم الدكتاتورية. بمعنى ترسيخ وتوسيع القاعدة الاجتماعية للمشاركة السياسية، بما يكفل بناء منظومة الحكم الديمقراطي وشرعية المؤسسات. ومن ثم جعل الحرية والنظام مكوكا فعالا لغزل مكونات ومقومات المجتمع المدني.
أما الأبعاد الروحية للنظام فهي الأبعاد المتراكمة في مجرى العمل على تعميق فكرة النظام بوصفه مرجعية ثقافية، أي منظومة متكاملة من القيم والأفكار والقواعد ملزمة للجميع بقدر متساو يحكمها القانون المدني والدستور الدائم.
إن بناء وحدة هذه الأبعاد في الذهنية الاجتماعية والسياسية والفكرية للفرد والمجتمع ومؤسسات الدولة بدء من مناهج التربية والتعليم وانتهاء بالقانون العام الأسلوب الوحيد القادر على بناء تكامل حي لوحدة النظام والحرية. وبالتالي تحويل الحرية إلى نظام، والنظام إلى حرية. ومن ثم تآلفهما في وحدة ذاتية ترتقي إلى مصاف المرجعية الثقافية – السياسية الكبرى. وفي هذا تكمن الضمانة الفعالة لحيوية الحرية والنظام بوصفها مرجعية. فهي الوحدة الوحيدة، التي تعطي للنظام معنى الحرية من حيث قدرته على إبداع نظام ذاتي للحق متراكم في الثقافة القومية نفسها.
إن «حقوق الإنسان» ليست لائحة بل جزء من تجارب الأمم. وهي تجارب متنوعة لكنها محكومة من حيث الجوهر بغاية واحدة، ألا وهي التأسيس المعقول للقيم بالشكل الذي يجعل منها منظومة متكاملة للارتقاء بالمصلحة العامة والخاصة الى مستوى الحقيقة والمنطق.
***