حلبجة تذهب الى بغداد

شيركو بيكه س
ترجمة هيوا عثمان

اليوم
يلتقي شتاء أعيننا
باصفرار ربيعٍ مهول.
اليوم
يعود موسم اختلاط الرماد
بالبراعم
اليوم
موعد رؤيتنا لعرس البكاء
وقامة حلبجة المغطَّاة بالخشخاش
أهذا نحيب شجرة التوت المحنية في المأتم ؟
أم صراخ الحجارة؟
أم هدير الصدى؟
اليوم
موعد زيارة سارة مولوي (1)
عندما تحمل لحيته
الشعر والنرجس
ورؤيته الغضّة
المليئة بالنور.
تصبح قنديلاً لله
والقنديل يبكي.
اليوم لقاء
يجمع دقائق ساعة السم
وسكون أمواج الجسد.
موعد وموعد وموعد!
اليوم
جميعنا،
بكبيرنا وصغيرنا
بنبتاتنا وأوراقنا
وورودنا وعصافيرنا
واطفالنا واغصاننا
وأعشابنا وبراعمنا
واشجارنا الفتية والهرمة
وكرومنا وصنوبرنا
ونسائنا
وهموم غاباتنا
وشعرها الأشعث،
نصبح غابة ونهرا
وبحيرة وبساتين
ونتوجّه من جميع الجهات
إلى نبع العشاق (2) في حلبجة
ونحني رؤوسنا هناك
من أجل كرنفال الضحايا.
اليوم
كلنا شوارع المدينة وأزقتها
كلنا: كتب وصحف
ولوحات
ومسرح.
سنحول أجسادنا إلى بيانو
ونقف أمام مرآة شنروي(3)
لكي تنسج تاج الورد لشَعرها
وتحرك آلامنا مع رياح
الحسرة الغائمة.
اليوم
أحاسيسنا طيف
يذرف من رقبته
الندى والحسرات الخفية.
اليوم
ندخل مجدداً
سحابة همٍ
تغطي هذه البلاد
من رأسها
حتى أخمص قدميها.
اليوم
ندخل مرّة أخرى
شبكة غدرٍ حاكتها لنا
الدنيا كلها وتآمرت.
الشبكة طارت
في سماء عزلتنا
وأصبحت طائرات سم.
ندخل مجدداً في
الدهشة والعزلة والغربة
في بيتنا.
نذهب إلى أرملة
في عراء مشلول
تحول إلى رماد تمثال!
أمام حدود الله
أمام العدالة
أمام إعلان الحقوق.
دمعةٌ كنهر سيروان(4)
آهةٌ كالاعصار
صمتٌ بجسد حجر
جريمةٌ تشبه الزمان.
نعود إلى جرحٍ
طوله: خارطة كل كردستان
عرضه: تاريخ أجسادنا الممزّق
وعمقه: عمق كل الكارثة.
كان السادس عشر من آذار
كان السادس عشر.
السادس عشر من ربيع مقطوع من المنتصف
السادس عشر لآلاف توابيت الورود
السادس عشر من الصدى
السادس عشر لأعبائنا
السادس عشر لسواد الذاكرة.
ذاكرةٌ
في مرايا السفر المهشمة
حين تحوّل طيراً إلى مومياء.
كان السادس عشر من آذار
كان السادس عشر
عندما أصبح يوماً خنجراً
غرسوه في قلب مدينة.
السادس عشر من آذار
شحوب الماء
خرس الجبال
عمى الشمس
هذيان الحجارة
جنون الأشجار
حصار الله
ومن هناك
قهقهة دكتاتور!
تحديق في مفكرة سوداء
لعصرٍ
كانت فيه الدنيا كلها
من الشرق إلى الغرب
تدسّ السم
وتحوك شباك الغدر.
أمام الانفال والقيامة
لم يكن للعالم كلّه عين
ولا فم ولا أذن.
نعود إلى سماء
السادس عشر من آذار
عندما تتهاوى مدينةٌ
وتنتهي ابتسامة النرجس
كما تنتهي
ابتسامة زهر اللوز
والأطفال والجداول.
ولكن هنا
وعلى حافة هذا الموت،
من اغتيال الماء،
من اغتيال الورد،
ومن جسد حلبجة الشاحب،
نبتت زهرة قمح.
هذا الجسد
أصبح شمعة،
مظلمة من الداخل
وتضيء ما حولها.
مدينةٌ ترفع
باختناقها
صوت العالم كلّه.
عشقٌ يجلب باحتراقه
عشاق العالم
إلى شهرزور(5)
مدينةٌ
تعرِّف بموتها
العالم علينا.
وتزرع
بذور الشمس
وقرع الأجراس.
مدينة بموت ينابيعها
هزت بحار العالم
ومحيطاته.
أيُّها الربيع الأرمل
أيُّها النهر النائم
في رحلة صامتة.
يا أعلى صدى
في قرننا العشرين!
يا طائر روحنا
حينما يحلق
ويحترق!
أنت لست ألماً لذكرى
تغمسنا مرّة كلّ عام
في بركة گومشين(6)
او تحولنا إلى
بكاء نقار الخشب
عندما يبحث
عن شجرته المهاجرة.
أنتِ لستِ قصيدة
خضراء العين
تأتي مرة كل عام.
تأتي الامرأة الغيمة
وتكتب على الأقمار والمضائق.
بشٓعرِ آهة طويلة
من ضبابٍ صدئٍ في شهرزور نالي(7).
أنتِ كل يوم معنا
كالأب والأم
والشريك والطفل.
كالخبز والماء
ووهج النار.
أنتِ معنا
كصيحة أصغر(8)
وصوت ماملي(9)
انتِ في غرفي
كالشباك والمفكرة والساعة
وفِي الصيف كالبدر.
أنتِ معنا في كل لحظة
كأصابعي.
انتِ أصبحتِ الوردة السوداء
في أجسادنا وحدائقنا.
أصبحتِ شارع الحرية
هنا وهناك
أنتِ في أشعة الشمس
عندما تدخل عرضاً وطولاً.
أنتِ ليمونة نشمها
أنتِ همٌ نلونه
أنتِ عشق نشاهده.
أنتِ صوت ومن صمتنا
ترتفع صيحتك.
أنتِ ندى ورذاذ وقطرات
وهطول وشاطئ للذكريات.
أنتِ نبع ماء يغلي
ويرتفع منه بخار غدر كبير.
أيُّها الهلال المقتول
والمعلق حتى الآن في السماء،
وقت طلوعك
وقت عودتك للحياة
وقت نزولك ووقت موسم الحصاد
بات أقرب من
هطول غيمة قريبة.
بات أقرب من
النسمة لقمم الجبال
أقرب من الضحى للشمس
وأقرب من البسمة على شفاه طفل في المهد.
هاهو جلادكِ
يضع رجله في التابوت
والموت يسحبه!
يا نبع عشاق حلبجة
قل لجميع عشاق
الوديان والجبال.
قل للغزلان وعابرات السبيل
وناي القصب وسفوح الثلج
وأبواب الصفيح
والطيور العاشقة على ضفاف الماء
قل لهم جميعا:
قريبا سيعود هدهد پيرشاليار(10)
من الجبال شاباً.
على لحن سياچَمانة(11)،
سيعود بيساراني(12) ممتطياً ايلاً بنيّاً داكناً
سيعود الحجل النقشبندي الأبيض إلى الرفرفة.
سيعود مولوي هو والفراشات والشعر
والريحان الأسود في حزامه.
هذه المرة ستعود
عنبر خاتون(13) فتاة
شعرها كرأسها حر
وتصبح معلمة لتدرس:
المرأة والمطر
المرأة والحريّة
المرأة والشمس
للفتيات اللواتي
تشبهن عشبة الجنوور(14)
وتقول لهم..
قريبا ومع غزلان
سهل شيروانة
حلبجة ستذهب إلى بغداد.
وفي جعبة غيمة بيضاء
ستأخذ معها
خمسة آلاف فراشة.
حلبجة تذهب إلى بغداد
وعندما تصل
يقف دجلة بطول قامته
ويحتضنها من قدها
ويمدّ يده ويضع على رأسها
قبعة الجواهري.
بحماس ستحلق حمامتان
من النجف وتحطّان على كتفها.
ومن هناك تبدأ أشجار
الزيتون والصفصاف والنخيل
حفلة رقص.
من جدارية جواد سليم
سيخرج الحصان
ويصهل بحجم العاصمة
وتهطل من الشمس
أشعتها.
حلبجة تذهب إلى بغداد
ورود الرمان ثيابها
وأمواج احمدئاوا(15) قامتها.
وعندما تصل
ينزل ابو نواس من الضفة
ومن الورد والرمان والأمواج
سيصنع كأساً
جديدة.
الكأس الأولى يأخذها منه
حسين مردان ويشربها برشفة واحدة.
ثم يأتي رشدي (العامل)
ذو الشعر الأشعث
وربطة العنق المائلة
ويشرب هو و «حديقة علي»
حتى الثمالة.
حلبجة تذهب إلى بغداد.
وعندما تصل
ستجد (عبد الامير) الحصيري كعادته
قنينة شراب وسترة متدلية
وجهه أحمر أمام الرصافي
مائلاً وعمودياً
يشتم ابن صبحة
ومدرسة عفلق
يبصق على رقمي
السابع عشر والثلاثي (من تموز).
ويشتم العرش.
حلبجة تذهب إلى بغداد
وتشاهد:
الحيدرخانة عادت إلى شبابها
النراگيل والسماور والإبريق
والكؤوس ذات الخصر الذهبي
في مقهى حسن عجمي
تنزل من رفوف الوجاغ(16)
إلى شارع الرشيد
ترن واحدة واحدة
وترقص فرحاً.
تشاهد سيدارتي
القبانجي والوردي
واحدة بأجنحة المقام
والأخرى بأجنحة الفكر الجديد.
صارتا طائرين يحلقان فوق
القبب الشذرية والشناشيل
ويضحكان في السماء.
حلبجة تذهب إلى بغداد.
تمرّ بالشورجة
وتلتصق بجسمها
رائحة الهيل والقرفة والمسك.
تحيط بها القبلات الفيلية
وبعد قليل تتحوّل القبلات
إلى نحلٍ
وقامة حلبجة إلى شمعٍ
وتأتي الحرية
لتوزع العسل على الجميع.
حلبجة تذهب إلى بغداد
قبل بغداد
تقف في شهربان
وفِي بساتين البرتقال
ترمي آخر ثوب للبكاء
عندها تبدأ البرتقالات
بنسج ثوب لها
من العرائش ومن ورودها.
حلبجة تلبس ثوب الشمس
حلبجة تلبس ثوب الكرنفال
ثم تذهب.
حلبجة تذهب إلى بغداد.

هوامش 

1. سارة مولوي: كلمة مركبة من «سارة» اسم جبل في دوكان، السليمانية، و مولوي، شاعر صوفي كردي تغنّى بجبل سارة.
2. نبع شهير في حلبجة.
3. شنروي: جبل مطل على حلبجة.
4. سيروان: نهر قريب من حلبجة.
5. شهرزور: السهل الذي تقع فيه مدينة حلبجة.
6. گومشين: البركة الزرقاء.
7. نالي: شاعر صوفي من حلبجة.
8. سيد علي أصغر كردستاني: مغني كوردي شهير.
9. محمد ماملى: مغني كردي شهير.
10. پيرشاليار: شخصية خيالية من منطقة هورامان التي تقع فيها مدينة حلبجة.
11. سياچَمانة: أسلوب غناء لمنطقة هورامان.
12. بيساراني: شاعر ورجل دين شهير من هورامان ١٦٤١-١٧٠٢.
13. عنبرخاتون: زوجة الشاعر مولوي.
14. الجنوور: عشبة تشبه عشبة الشبنت ذات رائحة تشبه الكولا.
15. احمدئاوا: نبع ومصيف قريب من حلبجة.
16. الوجاغ: كلمة بغدادية للمكان الذي يعد فيه الشاي في المقهى.