خاتمة الأحزان !

إبراهيم أحمد

اليوم جاءني خبر وفاة صابر، قلت استراح من لعبتنا، أو تلك المصيبة التي أوقعته بها. أعترف إنني جنيت عليه، أتلفت جسده وحياته. كان شابا يافعا ذكيا يتدفق لطفا وأحلاما. حدث ذلك قبل سبع وخمسين عاما. كنا في المكتبة العامة، وكان صابر معنا، نتحدث وبصوت عال ولا ينهرنا أحد. كانت مكتبة ناشئة في بلدة صغيرة يريد أمينها الكهل إغراء الشبان والصبيان لتناول الكتب وتركهم على راحتهم يتحدثون أو يلغطون أو حتى يمارسون التنويم المغناطيسي. لذا انبريت لتنويم كثير من الصبيان والشبان في حجرة المطالعة حتى صاروا يسمونني الساحر. إضافة إلى لقبي السابق «السياسي الماكر».برغم صغر سني ، السابعة عشرة تقريبا! وكان يروجه عني خصومي وهم كثر. كنت أكبر صابر بعام أو أقل، لكنني كنت مهووسا بالسياسة وبما أتلقفه من الكتب، وكان هو مهووسا بما يتلقفه مني. لا أدري ما الذي جعله يؤمن بي، ويقتنع بما أقوله له إلى حد يتعصب له أكثر مني، وكنت أخشى عليه ومنه كثيرا. فهو أخذ يجهر ببعض آرائي أو أفكاري في السياسة وبعضها يمس المحرمات الكثيرة عندنا، حتى أوقعني أكثر من مرة بيد الشرطة ولم أتخلص مما أرادوا بي إلا بما يشبه المعجزات. كنا في المكتبة ضحى. جلب معه أشخاصا لم أكن أعرفهم جيدا، وقف فجأة وكمن يقدم عرضا مسرحيا صوب نظراته علي قائلا:
ـ أريد منك أن تنومني مغناطيسيا! ليرى أصحابنا ما تحدثت به عنك، ولم يصدقوه!
نهضت على الفور كساحر متمرس، أجلسته على كرسي، وبأول حركة بهلوانية ليدي أمام عينيه غط في نوم مغناطيسي عميق.حف به الشبان يتطلعون إليه مندهشين كأنهم يرونه أول مرة، ورحت أواصل إيحاءاتي له.بدا لي كأنه قد تحنط على الفور وأصبح مومياء سمراء داكنة. فجأة دخل بواب المكتبة مسرعا وكان مسنا ويكن لي ودا ليهمس لي بخفوت :»جاء الشرطة يبحثون عنك، إنهم في حجرة أمين المكتبة». وبخفة أرنب قفزت إلى درج الباب وتواريت. وبينما كنت استحث الخطى تذكرت إنني أبقيت صابرا منوما مغناطيسا وقد أوحيت له بكل أفكاري وتوجيهاتي، فمن يوقظه غيري؟ لا أدري كيف أقنعت نفسي إنه سيستيقظ بعد ساعة، سيهزه أحد، ربما ستهز الشرطة كتفيه النحيلين، سيجوع حتما ويستيقظ، أعرفه يصير نزقا هائجا حين يجوع! وهو دائما جائع! نسيته في حومة بحثي عن مهرب! خرجت من البلدة ثم من البلاد، واستقريت في مكان ما من هذا العالم وراحت تصلني أخبار المصيبة: أن صابرا لم يفق من نومه المغناطيسي حتى اليوم، نقلوه إلى البيت وصارت أمه تطعمه وتسقيه وترفع حاجاته وتنظفه! مرت حروب وانقلابات ونكبات وحصارات وصابر لم يفق من هذا النوم التعيس! كل من في البلدة يعرفون إنني من نومه مغناطيسيا وهرب. أمه تقولها فصيحة «هو من كسر رقبة أبني وألقاه عالة علينا؛ بدلا من أن نكون عالة عليه «. وأنا الذي تركت التنويم المغناطيسي وكل الأفكار والخزعبلات والتوجيهات التي أوحي بها للمنومين؛ صرت أشعر بذنب كبير. أحيانا أخفف من فجيعتي لأتصور صابرا يجوس بالجنة التي أوحيت له أن يدخلها، بالرايات تعلو وترفرف عاليا ولا تنكسر، بالسعادة تغمر الدنيا كلها، بالفتيات الجميلات والخمور والرقص والغناء وكل الأمجاد العظيمة الأخرى، فأقول في نفسي أليس هذا أجمل من عالم أقرانه الذين إما قتلوا في الحروب أو أنهم عاشوا معوقين أو يكدحون ولا يجدون غير الشقاء والأحزان. لكن هذا مجرد محاولة للخلاص من ذنب. من بلدتنا تلك بلغني تلفونيا خبر وفاته صديق له ولي وكان قد شهد الواقعة، وهو الآن قد تجاوز السبعين وصار من أشد المنددين بالتنويم المغناطيسي وعقابيله المدمرة. كنت وإياه قد تحدثنا مرارا عما جرى لصابر بعد سفري، وكان يقول لي: «هم حاولوا كثيرا إيقاظه، حتى الشرطة الذين جاءوا يبحثون عنك قلعوا أظافره وجلبوا له أطباء وخبراء في التنويم المغناطيسي لكنه لم يفق أيضا! هم يعتقدون أن لديه أسرارا خطيرة ولا يريدونه أن يموت قبل أن ينطق بها «. لا أدري أكان ينتظر صوتي لأوقظه؟ أم أنه قد غاص في دنيا كلماتي ووعودي الخلابة ولن ينتزع نفسه منها حتى لو عدت إليه؟ لا أعرف! طلبت من صديقي أن يبلغ تعازي لأمه التي لا تزال حية وقد قاربت المائة. قال: «هي لا تريد أن تسمع منك شيئا، وتلعنك كلما ذكروا اسمك أمامها» حين قلت لصاحبي مودعا «عساها خاتمة الأحزان» ندت عنه ضحكة جافة قصيرة قائلا :
ـــ لأية أحزان تريد الخاتمة يا صديقي؟