خبزٌ يبحثُ عن الفوارق .. كيف يُشبِعُ؟

علي البزاز

نحن إذا وجدنا بطلانَ المصابيح فماذا سنفعل:
أننحاز إلى الصفرِ، إلى الضوء غير صالحٍ، إلى الأصدقاء كعلاقة سالبة؟
هذا السؤال، هو حلٌّ ذو وسائدَ مريحة
وعوض الزهور، تبنّينا الرسوبَ في زمنٍ مرضه مهذار، وحباله وسيمة.
منذ آدم، مَنْ لا تعب له بسبب وضوحه
والخديعة طولها فارع؟
إلا أنّ فضيلتي واحدة ليس غير، لم ألتزم السكوت
في نعيي، كنتُ أعزفه على الملأ.
يناكدني من يتبجّح بمواهبه( هي طحالب فحسب)
طوبى لادّعائه. مدّعي هبوب هذا، وإن كان هواءً،
مدّعي دروع وإن كان محارباً .
كان سهواً في مقاومتي،
واليوم أغبط أقاويله ودرعَ مزاعمه.
طفلٌ يمنعني المناصب،
والخضوع وجاهة.
منذ آدم ونحن نقتفي جبّاراً
عدالته أشلاء.
آه من صباحٍ مراءٍ، ذلك الذي تدّعي فيه
البنادق أنّ لها المراسيم والتحيّات، لا أستيقظ في هذا
الصباح إلا على زهور صديقة مخبرين.
هذا التناقض وإنْ بدا مؤلماً، فإنني سالكه حتى يتساوى
الليل والنهار في المديح والذمّ.
النهار آمنٌ لا يبحث عن الاستثناء
الليل امتياز.

ارتبطت الحراسة بالليل فقط، فلا حارسَ في النهار، بسبب الشعور من أن الضوء نقيّ، متجانس وعفيف، وخال من الانتهاكات التي تكثر في الهجنة والعالم المشبوه، والظلام باعتباره مشبوهاً ، مصدر الالتباس، لا أصلَ له، وعليه، يستدعي الحراسة والمراقبة. وهكذا، تطوّر مفهوم الحراسة عقائدياً. فمن يدعي السطو؟ لا أحد طبعاً. تصبحُ المفاهيم جامدة، عندما تكون غايتها، هي الارتباط المباشر مع الأشياء، بينما تتجدّد إن هي تشعبت أولاً، ثم ارتبطت في النهاية. النهار مرتبط أزلي ومباشر بالصفات الحميدة، فلا ينفك عنها، بمعنى لا تتطوّر صفاته، بعكس الليل، لا ارتباط له إلّا مع اليتم والفجوات، أي، يعتمد اليتيم بزيادة الفجوات إليه، يتيماً مركباً وفجوات ، يفاقمها.
تقول الأيديولوجيا:
نحن نحبُّ النهار مطمئنين إليه ضوءاً وصفاتاً، ونكره الظلام، ونلومه كظاهرة وكمعنى. الوردة- نهار، السوط -ظلام. يا للمقارنة الرتيبة والجامدة، ليس معقولاً أن نتوارث مفهوماً أبدياً ولا نتجاوز صفاته. أو على الأقل، نجعل التناوب على الصفات الحسنة والسيئة ممكناً.
يقول تاو:
«الناس كلهم يَعُدُّون الجميل جميلاً، وفي هذا يكمن قبحه، والناس كلُّهم يَعُدُّون الخير خيراً، وفي هذا يكمنُ شَرُّه».

مَن كان يسوّرني،
صار ارتفاعه شفّافاً.
حارسي لكثرة ما تهرّأت يقظته
صار قابلاً للطي.

في المقابل، يندر الحديث عن الخفارة، وهي تتضمن الحراسة واليقظة والانتباه معاً، أكثر من الحراسة بعينيها. الحراسة رنّانة جاذبة ، حالما تذكر، نفكرُ باللصوص، وبالحماية، أكانت حكومية، دينية أم حزبية، ولكن لا أحد يفكر بالخفارة، فهي مثابرة متواصلة لا تنقطع.

اشراقات بانتباهٌ مظلم، تبدو أشياء كثيرةٌ مزيّفة
وهي أقرب إلى الاستعارة . العزاء يكمنُ
في الاستعارة:
يستعيرُ الكسيحُ الهبوبَ
على جهات عطله، نحيا في الحياة باستعارات تشبهنا وهكذا، يستعير الضوء مرتزقة يناصرونه.

اقترنت الحراسة بالمقاومة مباشرة، وعليه، يظهر الحارس مسلّحاً، شكلاً، فلا حارس من غير أسلحة، بينما الخفارة ترتبط بالاحتواء، وشكل الخفير، غير متصل بالسلاح مباشرة، بل يكاد الخفير، أن يضمحل في ثقافتنا. لا تحتاج الخفارة إلى أبراج مراقبة، أي لا تحتاج وسائل ومعدات الدولة، لأنها جهد إنساني حميم، وقوتها داخلية، مثل الشمعة وفتيلها، بينما تحشّد الدولة والطوائف للحراسة وتمدّها بالمقاتلين، فالحراسة شكل من أشكال السلطة والمركزيات.
الخفارة يومية كالخبز،
الحراسة عسكرية .
الحارس في اشتباك عقائدي مع الدولة الطوائف والأحزاب.

(تسمعهُ، فتراه مناسِباً، لكن ضدّه ما يناسبكَ، فدعه إذن)
هذا المغنّي الشاسع المكان، الطائرُ وحده من يناله،
صوتكَ كالبذار، والخضرةُ هي جلّ أمانيه.
كلانا من اللحاء الذي يجودُ بالإملاق
لي النارُ كما لو أنّها نار: في صلةٍ بالهشيم، في نوعٍ من النار، ناري كالسباق إلى سواي، هي ناري، ولها علاقةٌ بغيري، ليتها نار كالأجور كالمستحقات، ولكنها نار والخير أساسها.
خبزٌ يبحثُ عن الفوارق، فكيفَ يشبعُ من يدعو إليه؟