«خشبة» الهوية الافتراضية

عقيل مهدي

الثقافة المسرحية
تشتمل الثقافة المسرحية، على لغة درامية، وبعد انثروبولوجي وديني، وأعراق بشرية متنوعة ، وقيم متنوعة، تحتم عليها الالتزام بالتسامح ، والانفتاح على كل هذا التنوع والتعدد الفني والجمالي، في الخطاب المسرحي ، وتنمية «الحكم النقدي» الحر، في وضع سياسي عالمي مأزوم، يتطلب منا، اشتراع مشاريع ، واقتراح خطط مسرحية، في بناء متكامل يجاري ( التحديث ) العالمي في الأشكال الفنية والأساليب ، المتناغمة مع المتغيرات الاجتماعية والمسرحية في ثقافات العالم المعاصر المعرفية ومنظوماته القيمية المعاشة الآن وانعكاساتها على مسارحنا .
ان كانت (العولمة) قد (قسّمت) العالم الى : رابح ، ومستفيد ، وخاسر ، كما يحدث الآن في (الثقافة الغربية) التي يصنّفها (هابرماس) بأنها :
(ثقافة لا أخلاقية ، تحتاج الى مراجعة نفسها نقدياً وهذه مهمة الفيلسوف الأولى)، والحل هو في اشاعة – ديمقراطية المشاركة Participatory democracy، حيث يعتبرها هابرماس من أفضل ثمرات الحداثة التي تكفل للمجتمع، سيادة القانون، المساواة، والعدل .

هوية المسرح العربي
يسعى مسرحنا العربي ، الى تكريس (هوية) إبداعية تولد من التراث والحداثة ، وتتجاوز محن الخراب والحروب والابادة، (جينوسيت)، ليواكب التطور العالمي، ويعمّق الجانب الثقافي الفكري المعرفي، في خطابه الفني لتوجيه سلوكنا الاجتماعي، في الارتقاء بالبعد الرمزي «لهويتنا الوطنية» والانسانية مسرحياً .
ان التخطيط لثقافة مسرحية ، تعلو على الوضع المسرحي الحالي المعاش ، يحتم على مسرحنا الوطني الانتقال الى ( تنمية ديمقراطية ) تستوعب تحديات ثقافة العولمة ، من منظور ايجابي نختاره ( نحن ) وليس ( الآخر ) لتفادي الانقياد وراء احادية القطب لآيدلوجيات وسياسات قاهرة لارادتنا الثقافية ( الوطنية ) .
فالمسرح يقوم على (التنوع) الثقافي المعني في كيفية بناء (الدراما ) و(العرض) في رهان على الارتقاء بالجمهور، واشاعة ثقافة السلم الأهلي، والاقليمي ، والعالمي، من خلال ثقافة مسرحية انسانية وطنية.
فلا يمكن لخصوصيتنا «المسرحية»، ان تشتت جهودها في دروب المواجهة، السلبية، والقطيعة المطلقة مع ثقافات العالم المسرحية، التي تبتكر الجديد، والمعاصر في الرؤى والأفكار والاساليب، وطرائق مخاطبة الجمهور ، اذ يبحث الحوار المسرحي الجاد، عن حلول ابداعية، وثقافية تخص موقفنا الراهن والمستقبلي ، ومبتعدة عن المواقف المظهرية والمعالجات اللفظية العقيمة، كالذهاب بنا الى مستنقع صراع الاثنيات، والهويات الزائفة، والتفسير المغرض للأديان!
إنما الحل في تكريس هيبة القانون، والتحرك من داخل الزمان والمكان، والمجتمع والشخوص، وثقافة الاستنارة والحرية والعدالة للمواطن، حاول المسرح العالمي، طوال تاريخه الثقافي، التصدي لأدوات الصراع وخططه التناحرية، للبحث عن خلاص تربوي وجمالي ومعرفي في المسرح، كتداول أطرافه (العربية والغربية) للمقترحات والمقاربات التي تعالج هذه (الاشكالية) القائمة ، ولا تكرّسها او تزيد من غموضها سواء في النظر، او العمل، أو الابداع المسرحي .
أي في الآيدلوجيا، والسلوك الاجتماعي، والآداب والفنون، من منظور (معرفي) ابستيمولوجي غير مقفل في دائرة مركزية طاردة للحوارات الابداعية .

تكنولوجيا المسرح الحديث
تتطلب مستويات – (المسرح) – المختلفة على ضرورة «التكنولوجيا»، وتقنيات الفن، والمعرفة، والموهبة، في ثقافة التواصل مع الجمهور، والحرص على خطاب مسرحي مقنع يدرك قيمة (التحولات) سواء الاجتماعية منها، او في ما يخص الذائقة الجمالية لدى «المتلقي» العام والخاص .
أو ما يتعلق بـ الفنان المسرحي ، بوصفه هو من يمتلك الكفاية والقدرة على تقديم نتاجات مسرحية مبتكرة ، وهذا ما يتطلب منه الحرفة العالية والالمام بتقنيات مدروسة ،على المستوى الدرامي ، والعرض ، وخلق حوافز التأثير الفني على المتلقي ، فضلاً عن ضرورة التواصل مع الثقافة الالكترونية، والتحكم في اختيار المواقف الايجابية منها، لتطوير ثقافة «الكتابة» الدرامية ، والنقدية، وثقافة «العرض» المتدفقة عبر هذه القنوات الالكترونية، وتحيينها للحاجات الروحية والفكرية المتوافقة مع مرحلتنا التاريخية (الوطنية) وعلاقتنا مع مسارح العالم المعاصر، المتحضّر .
ولا يتم كل ذلك الا من خلال الحرص على استثمار الوقت، والجهد والمال، عند رسم (ربرتوار ) مسرحي، متوازن، في توزيع عروضه العراقية والعربية والعالمية وعلى اقامة (مهرجانات) مسرحية جادة، والتأكيد على بناء القاعدة المادية، في الهندسة المعمارية وتصاميمها المستوعبة لأنواع من الأبنية الخاصة لمسارح تخص الطفولة والشباب ، والجمهور العام، وتوفير الخدمات اللائقة للمتفرجين بمختلف شرائحهم وأعمارهم وأجناسهم على وفق خطة طموحة لرعاية الطفولة، والتعامل معها بمستوى علمي، وتعليمي رفيع من خلال المسرح، وكذلك في النظر التنموي والاخلاقي الى «كينونته» الخاصة ، بوصفه انساناً يمثل مواطن المستقبل ، وما يمتاز به من «عقل» و «ذائقة جمالية» ، و «روح»تكوّن بعده الثقافي، المطلوب في أزمنة قادمة، وظروف تدعوه الى الانخراط في اجواء افتراضية يقودها (المحترف المسرحي) في استثماره لشبكة – الانترنت، وفي تقديمه لمعلومات وبيانات عن ثقافة الكتّاب والنقاد والمخرجين المسرحيين، وكذلك الفنيين سواء في «السينوجرافية» أو المناظر المسرحية ، او تصميم الأزياء، والماكياج، والحركة ، والرقص، والموسيقى واستخدام الوسائط البصرية والسمعية، والمؤثرات الفنية حسب طبيعة ( الاتجاهات ) الخاصة بالعروض وانواعها .
وكذلك الاختيار النوعي، والتحسّب الجاد الخاص بترشيح العروض المسرحية، المُتصفة بالجودة والكفاية، لتعميق «الثقافة الجماهيرية» في المهرجانات المحلية والعربية والعالمية، ونقل نتاجاتنا الفنية الى آفاق واسعة في مسارح العالم، للتفاعل مع الثقافات المختلفة، والمتنوعة، للشعوب وتقاليدها، اذ تمتلك الثقافة المسرحية العالمية، خزيناً من القصائد والرؤى، سواء في داخل اطارها الوطني، بوحدة من التنوع، أو في اطارها الخارجي، وما تثيره لدى المسرحيين من تحليلات فكرية، واختلافات في الاساليب الفنية والمعالجات الاخراجية، وتأويلاتها النقدية ، والفكرية، والمنهجية والحرص على التبادل الثقافي المتوازن مسرحياً، دون تهميش، او اقصاء (للآخر) بذرائع عرقية، وآيدلوجية ودينية (عقائدية أو طائفية)، والارتفاع بالثقافات (الفرعية) الى مستوى البنية الثقافية العامة.
من خلال تجذير (الهوية الوطنية) للشعب، والحرص على المسرح في تداخله الثقافي وتراثه، وموروثه، التاريخي مع متطلبات الرؤية المعاصرة، والخروج من أحادية قسرية لتأطير الثقافة الانسانية، الأمر الذي يفضي الى بعثرة ابداعاتنا القومية بحجة ان ( هويتنا) تتهددها ثقافات (مستوردة) و (دخيلة)، وهكذا يتم التلاعب بالعقول، فتتحول المسميات الكلامية، لتقلب (التنوير) الى (تحلل)، و(الانفتاح) الى (غزو)، و(التقدّم) الى (الحاد)، وهذا من شأنه ان يقود الى «العزلة» و «التحجر» والهروب من ثقافة العصر، وحضارته المستقبلية .

( تجربتي والهوية الافتراضية في المسرح )
حين أقوم بمقاربة «سيرة افتراضية» لكبار مثقفينا، عبر تاريخنا الوطني العريق ، الى اليوم، فانا لا أقدمهم بوصفهم الحياتي، الوقائعي ذاته، بل بوصفهم «كائنات مسرحية»، فهم كانوا يمثلون لي منذ البدء، (مادة بشرية خام)، لكنهم بعد تقديمي اياهم لجمهور معاصر، فإنهم ينتقلون الى زمن جديد لم يكونوا قد (عايشوه) سابقاً، وهذا ما يدفعني الى التفكير في اعادة ترسيم (مسافة جمالية) جديدة، تعيد ارتباطهم (فنياً) من واقعهم السالف، وتنقلهم الى واقع افتراضي (مسرحي) معاد تشكيله بفضاء تأويلي مبتكر، لأنني وجدت تخلخل الثقافة فيه عبر أزمنة ضاجة بحروب عدوانية ، تدميرية ، واردت من خلال (رمزية) أصحاب السير الابداعية والثقافية، الاسهام في تنمية وجدان المتفرجين بقيم معرفية وفنية ، تحفز البناء الروحي والمادي للمجتمع ، وما المسرح إلاّ آلة فكرية وفنية وأدبية وسياسية وإعلامية، تشتمل على فنون ( محايثة ) معمارية وتصميمية وزخرفية وسينمائية وموسيقية وتشكيلية – وتحتوي كذلك على كتب (درامية) وبحوث (نقدية) و(مناهج) متنوعة، كلّ هذه الاعتبارات تحتّم علينا – اذن – هذه الوظيفة الثقافية في المسرح، إقتراح أبعاداً جديدة للمفهومات المتخلفة، والقيم الفاسدة، ببدائل، محدثة، متطورة، تنشد الحرية والسلام، وتشتبك مع ثقافات العالم، وتتفاعل معها بوعي مثمر فوق خشبات المسرح .
في السيرة الافتراضية، تجاوزت العقبات الظاهرة على السطح اليومي ، للشخصية، لأصطفي منها، عنصر ( الابداع ) الذي انجزه الفرد المعني في الحقل الثقافي الذي أقاربه مسرحياً من منظور العصر المعاش (الآن) وأؤسس (هويته) بأداء إفتراضي جمالي فوق الخشبة .
فالسيرة الافتراضية، فكر درامي ومسرحي مفتوح، لطرح وجهات نظر جديدة، بعيداً عن القوالب المكرورة، والمنقولة من أرشيف الذاكرة، بل البحث عن فضاء ابداعي مسرحي سواء في اللغة، او طبيعة الشخصية اليومية الخارجية، وإقتراح مقاربة مغايرة لأدوات (المؤرخ)، ومكرسة للخطاب الابداعي (المسرحي)، لتكون متساوقة مع حاجاتنا (الثقافية) الآنية والمستقبلية للمجتمع، وأن تطرح وجهات نظر بطريقة غير معهودة من قبل، وهكذا كان دأب المسرح ومازال يؤدي وظيفته بوصفه مؤسسة ثقافية ، تقوم على ثقافة وموهبة، وتتوفر على فهم الطبائع البشرية للشعوب، بتداول فني – جمالي مبهر، يتطلع الى تكريس الحرية « الشخصية» للفرد والعدالة «العامة» للمجتمع ، في بنية صراعية تقوم على علاقة التجاذب والتنافر ما بين القديم والجديد في الثقافة والحياة.
ومرّد ذلك كله ان ثقافة العصر تجعل من صاحب ( السيرة الافتراضية ) حين يجري إعادة تقديمه وتشكيله اخراجياً ليعبّر سلوكياً، ببعد رمزي تعبيري عن مشروعه الراهن ، من خلال تشكيل صورته المرئية والمعبّرة حركياً عن علاقة مركّبة ، تجمع ما بين ثقافة «الكاتب والمخرج» ، وما بين صاحب السيرة في «درامية» حياته الثقافية والفكرية والابداعية الفنية والأدبية ، وما حفلت به من صعوبات وتحديات ، ومطاردات واعتقال، ولجوء، وهجرة..

هذا الجانب ( المضمر ) هو الذي شكل رؤيتي الخاصة في افتراض رؤية فنية مبتكرة، ومتفتحة على فضاءات جديدة في (سينوجرافيا) المسرح ، لتخليق شخصية معفية من القيود الطبيعية الجامدة و من رسوم مُتحفية مقفلة في أقفاص الحياة اليومية الرتيبة وبإمكانها ان تمارس كامل حرّيتها وألقها في مضمار المسرح .

وسبق لعالم الجمال ( آلان ) ان كتب :

 

(نحن اذا حاولنا ان نخلق أعمالنا على وفق نموذج معيّن فهو ضرباً من ضروب (الصناعة)، وليس ابداعاً فنياً في مجال الجمال ( فنا) ..)
فالفن – اذن – يقتضي رؤية فنية متفردة ووجهة نظر خاصة بالمؤلف والمخرج والفنان والأديب والناقد أيضاً وكذلك تخصّ المتفرج الذكي في إعادة تشكيل دلالات العرض وشفراته الجمالية .