درع .. تكريم

عواد ناصر

في دول الثقافة الملتبسة، خلال ظروف استثنائية، يبدو كل ما يتعلق بهذه الثقافة ملتبساً.
أكرر: إن الثقافة هي جزء من منظومة، أو حزمة package في أي مجتمع كان، متطوراً أم متخلفاً.
بتعبير آخر:
في بلد يفتقد حتى لأضواء الشوارع المرورية لا يمكنك أن تطالب سائقي السيارات بالتزام القانون.
في بلد خرج من حرب ثم دخل حرباً ثم خرج من حرب ليدخل حرباً لا يحق لك أن تطالب وزير ثقافته بإقامة عرض باليه أو أوبرا أو حفل موسيقي.
نشهد كثيراً حفلات كبرى في عواصم العالم، عياناً أو عبر شاشات الأخبار، لتكريم مبدعين لا تبدأ بجوائز البوكر ولا تنتهي بنوبل، وهي حفلات تكريم ذات تقاليد عريقة يحترم فيها المنظمون الفنانين والجمهور والحرص على أصغر التفاصيل لإنجاح حفل التكريم، حتى أن الحفل، نفسه، يستحق التكريم.
لا يمكن لثقافة محبطة أن تكرّم مبدعاً، قد يكون هو الآخر محبطاً!
تقديم دروع التكريم أو «باجات» التمييز لمبدعين، قد يستحقونها، فعلاً وجدّاً وحتماً، لا يعود لها معنى نقدي أو احتفاء حقيقي بمنجز هؤلاء المبدعين عندما تتكرر كإجراءات بروتوكولية لا أكثر، كمن يقدم رئيس النقابة أو الاتحاد أو الجريدة «استكان» شاي لضيفه المبدع.
شخصياً، تلقيت درع التكريم كثيراً، لكن المضحك أن مؤسسة ثقافية مرموقة، لا أسميها لكي لا يزعل أصدقائي، كرمتني بالدرع نفسه ثلاث مرات!
الحق، إن التباسات الحياة العامة تشمل الثقافة والإبداع، مثلما تشمل طريقة الكلام والتعبير والأتيكيت واللغة المنزلية في البيت وأسلوب تدريس «التربية الفنية» في المدرسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية حتى…الجامعية.
منح الدروع والباجات بطريقة مجانية بلا استحقاقات حقيقية هو أسهل طريقة لتكريم المبدع، فهي لا تكلف شيئاً، لا مالياً ولا نقدياً ولا اعتبارياً.
درع التكريم يختزل المبدع إلى جندي يكرم بـ «نوط الشجاعة» عندما تسحق الحرب الجميع فلا فرق بين ضابط كبير وجندي صغير.
الجميع متساوون أمام الموت لا أمام الحياة.
.. ودرع التكريم أسلوب بروتوكولي لسحب الشحنة الضرورية في عقل المبدع الاعتراضي، وكل مبدع هو موقف اعتراضي، ليبدو وديعاً وبروتوكولياً، هو الآخر، وهذا يحدث في المجتمعات المتوترة والأوساط الثقافية الباحثة عن «مناسبة ما» لادعاء الثقافة تعويضاً عن غيابها في لحظة انبهار عابرة لا تمت إلى التأسيس والعناية بالأصالة والشروع بالسير نحو المستقبل.
تكريمات من هذا النوع «حيل دفاعية» حسب تعبير طبيب القرن العشرين النفساني سيغموند فرويد، لأنها لا تنسجم مع واقع الثقافة والإبداع الماثلين في الحياة اليومية للناس.
في لندن، كثيراً ما أدخل في حوارات ثقافية، وإن كانت عابرة، مع نساء ورجال عابرين، في المقهى والباص والمترو، لأجد أن ليس فرقاً كبيراً بين مستوياتهم، فاليونانيون يعرفون يانيس ريتسوس ويبجلونه، حتى لو اختلفوا معه آيديولوجياً، والإنجليز يقدرون عالياً، على اختلاف طبقاتهم وأذواقهم شاعرهم تيد هيوز، واللاتينيون يفخرون بغابريل ماركيز حتى لو كان صديقاً مقرباً من كاسترو.
أي أن ثمة «حراك ثقافي» ليس بعيداً عن أيدي المواطنين العاديين، حتى الأطفال.
«الحراك الثقافي» عندنا يسير بخط متوازٍ مع خط الناس، لا يلتقيان إلا بالمصادفة اللا هندسية أو بسبب حادث سير.
هنا، يأتي التكريم بدرع مثل إجراء أتيكيتي أكثر مما هو ضروري تمليه المناسبة المعرفية وتؤكده الضرورة الإبداعية.
أرى أن أفضل تكريم للمبدع هو عقد سمينار (ندوة مغلقة) يتحاور فيها نقاد متخصصون حول منجزه الإبداعي حتى لو حضرها عشرة من المشاركين.
التكريم في مثل حالتنا نوع من القفز على اللحظة الثقافية في واقعها المرير كمن يدغدغ نفسه ليضحك.