رجلان في القرية

Zadie Smith

ترجمة : ماجد الحيدر

أحياناً على ظهور الخيل، أحياناً أخرى مشياً على الأقدام، أو في سيارة أو على ظهر دراجات بخارية، أحياناً قليلة في دبابة ابتعدت عن خط الكتيبة الرئيسة، وفي فترات متباعدة من الأعلى، بواسطة المروحيات. لكن لو نظرنا للصورة على أوسع نطاقٍ ممكن، ولأطول فترة نستطيعها، سيكون علينا الاعتراف بأنهم اعتادوا في الغالب على المجيء مشياً على الأقدام. وهكذا، بهذا المعنى في الأقل، يصح أن نعد مثالنا نموذجياً؛ بل إنه ليتمتع، في الحق، بكمال المثل المضروب: رجلان يصلان الى قرية مشياً على الأقدام، دائماً الى قرية، لا الى مدينة.

لو أن رجلين وصلا الى مدينة لكان لزاماً أن يصلا بصحبة عدد أكبر من الرجال وعلى هيئة تعزيزات في الأغلب –هذه بديهية بسيطة. لكن حين يصل رجلان فقط الى قرية فإن ما يحملانه من معدات لن يزيد عادة على أيديهم السمر أو البيض، اعتماداً على مقتضى الحال، رغم أنهم يحملون في هذه الأيدي، في أغلب الأحوال، شفرةً من نوعٍ ما، رمحاً، أو سيفاً طويلاً، أو خنجراً، أو مطواة، أو ساطوراً، أو مجرد موسين قديمَين صدئين.. ومسدساً في بعض الأحيان. كان الأمر وما يزال يعتمد على مقتضى الحال. لكن ما يمكننا قوله بشكل مؤكد هو أننا نشخص هذين الرجلين فور اقترابهما من القرية، في تلك النقطة من الأفق حيث يلتقي الطريق الطويل المؤدي الى القرية التالية بالشمس الآيلة للمغيب. ولقد فهمنا مغزى مجيئهما في هذا الوقت. غروب الشمس كان، تاريخياً، وقتاً ممتازاً للرجلين، أينما وصلا، لأننا في ساعة الغروب لمّا نزل، جميعنا، معاً: النساء عدن للتو من الصحراء، أو من الحقول، أو من مكاتب المدينة، أو من الجبال المثلجة، والأطفال يلعبون في التراب قرب الدجاج أو في الحديقة العامة خارج العمارات السكنية، الأولاد يضطجعون في ظل أشجار الكازو هاربين من الحر الخانق –إن لم يكونوا في بلد بعيد أكثر برداً، يخطّون العلامات تحت جسر قطار ما- أما البنات المراهقات، وهذا قد يكون الأهم، فهن في الخارج أمام أكواخهن أو بيوتهن وقد لبسن سراويل الجينز أو ثياب الساري أو الحجابات أو تنورات الميني وأخذن ينظفن أو يحضرن الطعام أو يقطّعن اللحم أو يكتبن الرسائل في هواتفهن المحمولة. حسب مقتضى الحال. والرجال القادرون جسدياً لم يعودوا بعد من حيثما كانوا.
الليل أيضاً له مزاياه، فلا يستطيع أحد إنكار أن الرجلين وصلا في منتصف الليل على ظهور الخيل، أو حافيين، أو متشبثتين واحدهما بالآخر على دراجة سوزوكي بخارية، أو جالسين على سطح سيارة جيب حكومية مصادرة، سوف يستفيدان من عنصر المفاجأة. لكن الظلام له مساوئه أيضاً ، فلأن الرجلان يصلان دائماً الى قرية، لا الى مدينة، فسوف يقابلان في الأعم الأغلب بالظلام الدامس إن وصلا ليلاً، بغض النظر عن مكان وتاريخ التقائك بهما. وفي ظلمة كهذه لن تكون متأكداً تماماً من الساق التي ستظفر بها: عجوز شمطاء، أو امرأة متزوجة، أو فتاة في ريعان شابها.
لا حاجة بنا الى أن نقول بأن أحدهما طويل القامة ووسيم الى حد ما –بطريقة سوقية- وعلى قدر من البلادة والفظاظة، في حين أن الثاني أقصر قامة، يتسم بالدهاء، وذو وجه شبيه بابن عرس. هذا الرجل الماكر اتكأ على لوحة إعلان الكوكاكولا الكبيرة الي تشير الى مدخل القرية ورفع يداً بطريقة محيية ودودة، بينما أخرج رفيقه من فمه العود الذي كان يمضغه حتى تلك اللحظة ورماه أرضاً ورسم ابتسامةً على وجهه. أو لربما كانا يتكئان على عمود للنور ويمضغان اللبان بينما تفوح رائحة حساء البنجر في الهواء، لكننا، في قريتنا، لا نطبخ حساء البنجر –نحن نأكل الكسكس مع سمك التلفيش وتلك هي الرائحة التي تفوح في الجو، سمك التلفيش الذي نتحمل بالكاد رائحته لأنه يذكرنا باليوم الذي حلَّ فيه الرجلان على القرية.
رفع الطويل إذن يده بطريقة ودية، في اللحظة التي شعرت ابنة عم زوجة كبير القرية –التي صادف مرورها في الطريق الطويل المؤدي الى القرية المجاورة- بأن لا خيار لديها سوى التوقف قبالة الرجل الطويل، بساطوره اللامع تحت الشمس، ورفع يدها، رغم أن ذراعها بأكمله كان يهتز وهي تفعل ذلك.
يحب الرجلان أن يصلا بهذه الطريقة، بطريقة ودية بهذا القدر أو ذاك، وهذا ما يذكّرنا بحقيقة أن كل البشر، بغض النظر عمّا يفعلونه، يحبون أن يحَبّوا، حتى ولو لساعة واحدة، قبل أن يُخافوا أو يُبغَضوا –أو لربما كان من الأفضل القول بأنهم يحبون أن يعجنوا الخوف الذي يثيرونه بأشياء أخرى كالرغبة والفضول، حتى لو كان الخوف، في التحليل النهائي، هو على الدوام الجزء الأعظم مما يريدون. يُطبَخُ لهم الطعام. نعرض عليهم ذلك وإلا طلبوه، حسب مقتضى الحال. في أوقات أخرى، في الطابق الرابع عشر من عمارة سكنية بائسة يغطيها الثلج –حيث تعيش القرية بصورة عمودية- سوف يغطس الرجلان في أريكة العائلة، أمام تلفازهم، ويتفرجون على بث الحكومة الجديدة، الحكومة التي أعلنت قبيل أيام بانقلاب عسكري، وسيضحك الرجلان على قائدهما الجديد وهو يروح ويجيء في ساحة العرض معتمراً تلك القبعة الغبية، ويمسكون وهم يضحكون كتف البنت الكبرى، التي تتفرج على التلفاز، بطريقة يفترض بأنها رفاقية ولكن بقليل من الضغط الزائد، بينما تشرع بالبكاء. («ألسنا أصدقاء؟» سيسألها الرجل الطويل البليد «ألسنا جميعاً هنا أصدقاء؟»)
هذه إحدى طرق وصولهم، رغم أنهم لم يصلوا الى هنا بهذه الطريقة، فنحن لا نملك تلفازاً ولا ثلجاً ولم نعش قط أعلى من مستوى الأرض. لكن التأثير هو نفسه رغم هذا: السكون نفسه والحدس المنذر نفسه. جلبت فتاة أخرى أصغر عمراً أطباق الطعام للرجلين، أو، كما جرت العادة في قريتنا، الوعاء الوحيد. «هذا خراء جيد!» قال الطويل الغبي الوسيم وهو يغرف السمك بأصابعه المتسخة، فيعلق القصير الماكر ذو الوجه الشبيه بابن عرس «آه، هكذا كانت تطبخه أمي، رحم الله روحها الخرائية الصغيرة!» وبينما يأكلان يدفعان في كل مرة إحدى الفتيات الى حضنيهما بينما تلتصق النسوة الأكبر عمراً بجدران المنزل وهن ينتحبن.
بعد الأكل والشرب –إن كانت قرية يسمح فيها بالشرب- يشرع الرجلان بجولة في المكان كي يشاهدا ما يستحق المشاهدة. هذا وقت السرقة. الرجلان يسرقان الأشياء دائماً، رغم أنهما، لسبب ما، لا يستخدمان هذه اللفظة، وبينما يمدان أيديهما الى ساعتك أو سجائرك أو هاتفك أو ابنتك سيقول الرجل القصير، على وجه التحديد، أموراً تتسم بالوقار مثل «شكراً على هديتك» أو «نحن نقدر تضحيتك من أجل القضية» رغم أن الطويل ينفجر بالضحك مفسداً كل أثر مهيب يحاول القصير إحداثه.
في نقطة معينة، بينما يتنقلان من منزل لآخر ويستوليان على كل ما يريدان، سيقفز صبي شجاع من وراء تنورة أمه ويحاول أن يغلب الرجل الماكر القصير. في قريتنا كان هذا صبياً عمره أربعة عشر عاماً اعتدنا جميعا على تسميته «ملك الضفادع» لأنه سُئِل ذات مرة، عندما كان في الرابعة أو الخامسة عن أقوى شخص في قريتنا فأشار الى ذكر ضفدع كبير دميم في الساحة وقال «هو، ملك الضفادع» وحين سألوه عن السبب قال «لأن أبي نفسه يخاف منه!»
بالنسبة لعمر الرابعة عشرة كان ولداً شجاعاً لكنه متهور، وهذا ما دفع أمه العريضة الحوض الى التفكير في دسّه خلف تنورتها كما لو انه طفل رضيع، لكن ثمة أشياء حقيقية، ثابتة، عصية على التفسير -مثل الشجاعة الجسدية- لا تكف عن التواجد في جيوب صغيرة هنا وهناك وفي كل مكان، وتظل، رغم لا جدواها في الأعم الأغلب، أموراً لا يمكنك نسيانها بعد رؤيتها –مثل وجه جميل أو سلسلة جبلية عملاقة، فهي ترسم حدوداً بطريقة ما على آمالك الشخصية- ربما أحس الرجل الأبله الطويل بذلك فرفع ساطوره اللامع، وبنفس الطريقة الرشيقة غير المجهدة التي تقطع بها رأس وردة ما، فصل بين الفتى والحياة.
ما أن تسيل الدماء، خصوصاً بهذه الغزارة، حتى يتنزل ضرب من الوحشية الجامحة، فوضى دموية تذوب فيها على الفور كل إيماءات الترحيب والطعام والتهديد. عند هذه النقطة تستهلك في العادة مقادير أكبر من الكحول. والغريب في الأمر أن الرجال الأكبر سناً في القرية –الذين لا يملكون حولاً ولا قوة رغم كونهم رجالا- سيمسكون القناني ويشربون بعمق وهم ينتحبون، ذلك لأنك لا تحتاج الشجاعة كي تثير فوضى دموية فقط، بل لكي تجلس وتتفرج عليها. لكن النساء! كم نفخر، ونحن نستعيد الأحداث، بنسائنا اللاتي وقفن صفاً وقد شبكن أذرعهن في حلقة محكمة حول بناتنا، بينما يستشيط الرجل الأبله الطويل ويبصق على الأرض- «ما خطب هؤلاء؟ لقد انتهى الانتظار. سأكون غارقاً في السكر إن طال الوقت!» ولطم القصير الماكر وجه ابنة عم زوجة كبير القرية (زوجة كبير القرية التي كانت في زيارة عائلية الى القرية المجاورة) وتكلم بنبرةٍ خفيضة متآمرة عن أطفال الثورة القادمين. إننا ندرك بأن النسوة طالما وقفن هكذا في غابر العصور، جوار حجارة بيض أو بحار زرق، وفي عصور لاحقةٍ في قرى الفيل الإله وفي أماكن أخرى كثيرة، قديمة وحديثة. رغم هذا كان هناك أمر يحرك المشاعر فيما يخص الشجاعة الحمقاء لنسوتنا في تلك اللحظة، رغم أنها لم تنجح في منع رجلين من النزول في قرية وفعل أسوأ ما بجعبتهما –لم يسبق أن نجحت ولن تنجح- ورغم هذا جاءت تلك اللحظة الوجيزة عندما بدا الرجل الطويل البليد خائفاً ومتردداً، كما لو أن المرأة التي تبصق عليه الآن ليست سوى أمه، تلك لحظة مرت سريعاً عندما ركل القصير الماكر المرأة التي بصقت في خاصرتها، وتفككت الحلقة وسلكت الفوضى الدموية طريقها المعتاد دون مزيد من عوائق.
حكاية ما جرى سيعاد سردها في اليوم التالي في نسخ مجزأة متقطعة تتباين، حسب مقتضى الحال، اعتماداً على السائل: جندي، امرأة تحمل لوح كتابة، زائر يقتله الفضول من القرية المجاورة، أو زوجة كبير القرية العائدة من زيارتها لامرأة أخيها. سيركز أغلبهم بقوة على أسئلة بعينها – «من هم؟» ، «من كان هذان الرجلان؟» ، «ما اسمهما؟» ، «بأية لغة تحدثا؟» «ما العلامات الفارقة على يديهما ووجههما؟» – لكننا في قريتنا محظوظون لأننا لا نملك بيروقراطيين صارمين بل زوجة الكبير التي نعدّها، قولاً وفعلاً، كبيرة قرية أكثر من الكبير نفسه. إنها مليحة، فارعة الطول، شجاعة وذات دهاء. إنها تؤمن بـ «كاها هاراماتا» تلك الريح التي تهب هنا ساخنة، وهناك باردة، حسب مقتضى الحال، والتي يتنفسها الجميع –لا يملك المرء إلا إدخالها لصدره، رغم أن القلائل هم من يخرجونها في فوضى دامية. أولئك الأشخاص يغدون بالنسبة لها مجرد «كاها هاراماتا». إنهم يخسرون أنفسهم وأسماءهم ووجوههم، ولن يعود بمقدورهم أن يدعّوا القدرة على استجلاب الزوابع، فهم أنفسهم تلكم الزوبعة. هذا بالطبع مجرد وصف مجازي. لكنها تعيش به. إنها تتوجه فوراً نحو الفتيات وتسألهن عن روايتهن وتجد واحدة تروي لها، متشجعة بأسلوبها المتعاطف، الحكاية بأكملها، تلك الحكاية التي تنتهي بأغرب صورة؛ إذ أن الرجل القصير الماكر تمادى فتوهم بأنه عاشق، ولهذا، بعد أن أراح رأسه العرقان على الصدر العاري لهذه الفتاة، أخذ يروي لها كيف أنه كان، هو الآخر، طفلاً يتيماً -رغم أن الأمر أكثر قسوة عليه لأنه يتيم منذ سنوات عديدة وليس مجرد ساعات- وبأنه كان يملك اسماً وحياة ولم يكن مجرد وحش بل صبياً عانى كما عانى كل الرجال، وبأنه قد رأى أهوالاً ولا يريد الآن إلا أن ينجب أطفالاً من هذه الفتاة من قريتنا، العديد من الأطفال الذكور، الأقوياء الحلوين، وبناتاً أيضاً، نعم، ولم لا، فتيات! وأن يعيش بعيداً عن كل القرى والمدن مع هذا الجيش من الأطفال الذي يحيط بهما ويحميهما طوال العمر. «أراد مني أن أعرف اسمه!» هتفت الفتاة التي ما زالت مندهشة من الفكرة «يا له من عديم الحياء! لقد أخبرني أنه لا يريد التفكير بأنه مرَّ من خلال القرية، ومن خلال جسدي، دون أن يُعنى أحد باسمه. ربما لم يكن اسمه الحقيقي لكنه قال إن اسمه ….»
بيد أن زوجة الكبير انتصبت واقفة على نحو مفاجئ وغادرت الغرفة ومشت نحو الساحة!

•زادي سمث Zadie Smith :

روائیة‌ وقاصة وكاتبة مقالات إنكليزية. ولدت في لندن عام 1975 من أم جامايكية وأب إنكليزي. نشرت أربع روايات نالت كلها استحسانا واستقبالا كبيرين. في عام 2003 وضع اسمها في قائمة «غرانتا» لأفضل المؤلفين الشباب كما نالت عام 2006 « الجائزة البرتقالية للقصة» وجاءت روايتها «الأسنان البيض» ضمن قائمة مجلة «تايم» لأفضل مائة رواية انكليزية ما بين 1923-2005. من أعمالها الروائية «الأسنان البيض- 2000» ؛ «رجل الأوتوغراف- 2002» ؛ «عن الجَمال-2006» ؛ «NW-2012». من أقوالها المميزة التي صرحت بها لصحيفة «الغارديان» لدى سؤالها عن أفضل عشر نصائح لكتابة القصة والرواية: قل الحقيقة من خلال أي قناع في متناول يديك –ولكن قلها. روِّض نفسك على الحزن الذي سيصاحبك طوال عمرك، ذلك الحزن الناجم عن فقدانك الإحساس بالقناعة والرضا!