رحيلُ قاربٍ يتمسَّكُ بالطين .

هكذا يكون عنوان صفحتي لهذا العدد المكتظ برحيلين .. أكرم الأمير وعلي الشوك..

شوقي عبد الأمير

«أَينُكَ يامَوجُ أكتبُ على رِمل الشاطئ» كتبَ أكرمُ يوماً، لكن الموجة السوداء أو البيضاء ــــ سيقول الصوفيون ــــ لم تُمهله ..
أَينُكَ ياأَكرمُ أكتبُ على رَمل الصَفَحات … رحل ولم تُدْركْ سِنيّهُ العقدَ الثالث (27) .كان يَسيرُ في شوارعَ بيضاء تُرابها «بشٌر لم يُخلقوا بعد» .. إنها طريِقته للتوحد مع صوت عملاقٍ شعريّ سَبَقهُ بألفِ عام :
« خَفَّفْ الوطءَ ما أَظنُّ أَديمَ الأرض إلاّ من هذه الاجسادِ».
كان لهُ جسد حَمامة لكنه كان يُحلق بجناح نِسر ويَنظُر بحدقاتٍ نِسر يرى في العتمات ضوءاً «لِشدّة السواد صار الظل ضوءاً» ..
وحَده الشاعرُ يعيدُ كتابة الأشياء وكأنها وجُدِتْ له كما يُريدُ لها أن تكون يَلعبُ بالمرايا يخدعُها قبل أن تراوغهُ يعرف سِرَّ الاشتباك بين المرايا والعيون «في عينيك نظرتُ الى وجهي .. فُوجِئْتُ أنّ المرايا تتعمدُ الإطراء» وأَكرم «سنبلةٌ تطاردها رياحُ الابجدية» و «حواسٌّ تعانق السواد» أوهو «لمسهٌ تمشّط مافي اليدين من خطوط عكَّرَتهْا الأزمنة» ولكن «إلى أين .. الى روحك الهوجاء ، الى الزمن الآتي الذي يحمل لَنا الأوهامَ كواكب».. مازلتَ «وحدَكَ في الصحاري تبحث عن لؤلؤ»، لكن «الكلُّ يبحثُ عن جَمل» ..
الشاعر يؤسس كما يقول هولدرين . يبتكرُالطريقَ التي تَسيرُ عليها قدماه والتي ستعبُر فوقها جثّتُه. هَكذا استطاع أكرم أن يجد في الصحراء لآلِئَهُ تاركاً الآخرين يسعون وراء جِمال ..
أعرفُ «ها أنا احاول وأحاول» لكنكَ وجدتَ…وفي كل محاولة تعثُرُ خلف «انكسار الحروف» بالرغم من أن «ورقَكَ اسود وقلمكَ اسود وأكثرُ قراّئك َ عُميان» لكنك تكتبُ الضوءَ وتلمُس بَشرةَ الاشياء وقد صدقتَ:
عندما ينجو الموتى من الحياة
أعيش لوحدي ميتاً
أنتَ تعيشُ الآن وحدك «مّيتاً».. أنت بهذا تعلُمنا كيف يعيش الموتى بيننا . كيف يتواصلون، يبعثونَ لنا بصور أيّامهم ومشاهدَ وجودهم هناك وليس هناك إلاّ الشعر مايجتازُ هاوية العدم ..
كُنتَ تُصِرُّ وبغرابة انك «مُتَّ وانتهى الامر» ولم نَكن نُصَدِّقُ هذا الموتَ الذي ينثالُ شعراً بين أناملك، لم نكن نرى إليه ينزفُ حروفاً على صفحاتك .. لم نكن نقرأ كلماِتهِ التي تَتَلعثَمُ بها شفتاك وانت تُسَمّي ذلك قصائِد ..
أنت الذي جاسدَت الموت وصعدتَ فوق شجرته العالية «طائراً يفضل المشي» . لقد رأيتهَ يأتي نحوك . وعرفتَ من أين سيخترقُ جسدَك النحيل هذا.. وبالضبط أين سينشُبُ أظافِرَهُ الحمراء ..
كيف حدث هذا ؟ كيف رأيته يتوغَّلُ مع الهواء المحترق، مع الدخان المتعفّن وانت تتنفَسُهُ . وهو يُمْسِكُ «برئتيك العذراوين» في زمن «حافظَ على عُفونته حتى العقول».. لماذا تركتَهُ يفعلُ ذلك يا أكرم ــــ وقد رأيتَهُ ــــ قبل أن يستشري حتى «يغتصب رئتك الصالحة» ويقيم فيها مملكتَهُ السوداء ..
أعرفُ أنكَ كنتَ تجاسدُ هذا الموت، تُلاحق خطواته وتغُور في سراديبهِ تراه بأشكالَ مسوخٍ عديدة حتى أنك رويت لنا يوماً حكايةَ « طفلة ماتت الف مّرة ولكنها لم تمتْ … ماتتْ لأنها حاولتْ أن تنجو وماتت لانها نجت .. ونحن أيضاً»

هلا أخبرتنا اليوم أين صارت هذه الطفلة .. ربما أنت الأن أقرب اليها وهل حقاً أن الموت «قاربٌ يبدو أثقل حين يلامس اليابسة . لانه «يتمسك بالطين كما لو أنه يُريد أن يعودَ شجرة …»

أجل أفهم الآن أَنّك ستعودُ نَخلةً في العشّار .. نخلةً خارج الفصول .. نخلةً، غابةً، فلاحينَ، طيوراً ومواسم للآتين ..

* النصوص بين قويسات مختارة من شعر الراحل اكرم الامير