رواية سابع أيام الخلق

ناجح المعموري

السرد فن التفاصيل واحتشاد الأسئلة بهدوء وتقديم الـأجوبة كمحطات هدوء لتوترات السرد المتصاعد، على الرغم من ان الركابي هو أول الكتاب الذين اشتغل على نظام المدونة ولعل سابع أيام الخلق هي أهم عمل روائي يشار له بجرأة وشجاعة .
عبد الخالق سارد ومفكر، مثله مثل سعد محمد رحيم بالرغم من ان سعد أقل عمقاً في سردياته، لكنه ملفت للانتباه لاهتماماته البارزة بالثقافة والفكر والمعرفة.
كلاهما، الركابي / سعد تكررهما في الوطن العربي قليل اذا لم يكن نادراً، لان مجاورة المعرفة مع السرد وتوظيفه تخيلاً للتعرف امر في منتهى الاهمية.
عبد الخالق ميثولوجي، متشرب بها، هو الوحيد الاكثر حضوراً بين الاسطوري والصوفي وليس سهلاً على الناقد فك الاشتباك بينهما، لانهما يتداخلان معاً ويبرز هذا في الشعر بوضوح في عدد من التجارب الشعرية القريبة وابرزها محدد في عدوان في اواخر تجربته.
اخذه التاريخ واندمج مع التخيلات السامية واقترب من الملحمة لأنها حاضرة والتاريخ عنصرها الجوهري والمقدس، في دوره بارزاً ومهيمناً يتحول الى بؤرة بنيوية كبرى في رواية الراووق، هو صوت المقدس الذي استطاع التحكم بكل تجوهرات السردية واضفى على مجاله طاقة الروح الدينية والصوفية وجعل منهما تنوعاً فتح الرحابة للمجال الصوفي.
اهتم كل من اشتغل بالتاريخ والسرد بحيوية الخيال في توظيف التاريخ، هذا ما انفرد به المفكر والروائي طارق علي، لكن بول ريكور اول من لفت الانتباه الى ان التاريخ تخيلات ذات حاكمية تذهب نحو التحبيك اذ توفرت لها الحكمة الفنية التي تتمكن من تحقيق الموازنة يبين التاريخ كوقائع واحداث وبين التصورات.
سابع ايام الخلق عمل ملحمي ازدوج فيه السرد والشعرية المتأتية من الاساطير والتصوف وما زالت حتى هذه اللحظة مندهشاً بقراءة فذة للمفكر سعيد الغانمي الذي تسلل للصوفي فريد الدين العطار وكتابه منطق الطير وكيف تحولت السيرة السلالية في سابع ايام الخلق الى بنية اسطورية، صعد فيها الميتافيزيقي ولم يكن هذا امراً مستغرباًـ بل هو مقبول ومتجاور بين الاسطوري والروحي وكل كمنهما يغذي الاخر، ويوفر له فرصة قوية كي يختبر حركته وجدله اثناء تحركات السرد وجدلية الصراع بين المتوافق والمتضاد، فالسيرورة احدى الملامح الجوهرية في رواية سابع ايام الخلق والتي هي خارج التوصيف العائلي كما قال الاستاذ فاضل ثامر، لان الملحمة غير معنية بالملحمي، بل الجمعي والحشدي. هذا ولابد من اشارة مهمة جداً، تذهب داعمة لوجهة نظري حول السلالة السيرية / الملحمة، وهي العلاقة بين التكوين والخلق بوصفهما اكبر مهمتين يقوم بها المقدس في لحظة البدء، حتى ينشئ خلقاً، يعطي له صفة قداسة متعالية، ويمنحه رعية، تنشغل بتقديم الخدمات له، مثلما هو حاصل دائماً في ميثولوجيا الخلق والتكوين. لهذا حسب وجهة نظري تمجيد للخالق واعني به عبد الخالق الركابي لابد من الانتباه للتشارك الفيلولوجي بين الخلق والخالق وانا واثق من ان عبد الخالق اختار عنوان الرواية حتى يوفر فرصة ذاتية لم يحز عليها روائي من قبل. واعتقد بأن السيرية التاريخية / الملحمية / والسلالية، اهم الدلائل المعبرة عن اقتدار عبد الخالق الركابي ومهارته في استدعاء السرديات النائمة في ماضيها، الذي هو ماضي الراوي، وراوي المتلقي، بحيث اتسعت تماماً مساحة الرواة الذي كشفوا عن مهارات، خضعت لزمان ومكان واحتفلا معاً بمحكيات ذات صلة مباشرة ومتخيلة، ومزدحمة بالأساطير مع احد الشخوص المركزية التي انشغلت وسط فضاء السرد الطويل الذي ازاحني لقارئي منذ لحظة صدور الرواية لأنها ــ سابع ايام الخلق ــ جعلتني خائفاً من التورط معها، لانها ليست عملاً سهلاً وتقليدياً، بل هي مجموعة سيريات سلالية امتدت وتحركت نحو سيرورة جديدة، فيها الاختلاف والتماثل تتعقد اكثر فأكثر، ونجحت من صوغ شبكات رمزية، امسكت بشخوصها المركزية، المتباهية بمقدورتها على الحكي، حيث تحولت الى شخصيات ذات دور ملحمي لها مع التاريخ مشتبكات قوية تارة، ورمزية تارة اخرى، لذا اطلقت عليها المقاتلات التي نشرت عنها صفات واراء التقت مع بعضها بشفاهية، وافترقت كثيراً، وهذا التباين متأت من العناصر الغزيرة في حفريات الذاكرة والمستيقظة من خلال السرد وصاغت شبكات رمزية، صعبة، معقدة، متشاكلة، تكتظ لحظة الحراك السيروري من اجل ان تؤسس اسطورة حقيقية. وربما يعترض القارئ حول هذا النوع الاسطوري ويوفر لي فرصة الكلام حول ما هو مختف في العمق السلالي والسردي، والذي تمكن عبر طاقة الحكي من جعل المقدس / الصوفي متسامياً وحاضراً، معلناً عن جوهر دور في الاشتباك المستمر طويلاً من خلال الزمان، لذا حازت الاسطورة مقدسها، واستعارته السرديات السيرية السلالية ملحمة جديدة، وفذة، تظل مثيرة للقلق والحيرة والاثارة والتساؤل، لان ايام الخلق، لا تقرأ لوحدها في النهاية، بل الماعها ذاكرة المتلقي شليلة واحدة ومن هو القادر على التقاط رأس واجد منها من اجل ان تبقى في الذاكرة حالها حال الملاحم الجديدة وهي تومئ لما كان سابقاً، لان ارادة الذاكرة التي كانت ايام زمان غير متجددة في طاقتها وقدراتها التي كانت وما زالت ميراثاً لها ولنا وهذا ما جعل الركابي اكثر من مبتكر للملحمة بل وذهب نحو التباهي والتمكن من الابتكار والخلق واذا اخذناه نحو مجال المجاز فأنه مقدس، الا انه مختلف عما كان سائداً في الماضي والحاضر، وانا اعني به المبدع الذي التقطت شبكات الذاكرة مع ارادتها ذات الحضور العميق ونجح في توصيف ملامح رجال شرفوا مكانهم، حتى هذه اللحظة وربما مكانهم مفترض. او واقعي وصار رمزياً، لافراد او جماعات، لان السرديات السلالية لن تكون وليدة مكان احادي، او صغير، بل هو مكان مماثل لفردوس حلمي حاضراً ومستقبلاً. ومثل المكان الذي يتشارك فيه ست رواة مكان ملحمي، لا تتعطل سردياته، بل تظل متحركة، تقودها سيرورة تتشكل مثلما هو في الحلم المرسوم .
منح المفكر سعيد الغانمي زمناً خاصاً لرواية عبد الخالق الركابي امل سابع ايام السرد لكن اعطى لكل يوم سارد واحد، مثلما اراد ذلك الكاتب. وهذا احدى الحلم السردية، او اللعبية المهارية الفريدة، التي اوجدت سؤالاً مركزياً مهماً للغاية، حول بقاء يوم بدون سارد. منح هذا الفراغ نوعاً من الاسطورية للعمل الروائي، وجعل من اليوم الاخير خاتمة لملحمة، لكنها مبتدأ لشيء سيكون لاحقاً، ولا استطيع اخفاء اعجابي ودهشتي الكبيرة بالرأي النقدي الموجز جداً والذي كتبه المفكر سعيد الغانمي «سابع ايام السرد» كشف فيه عن مهارة فذة عن المشترك الموجود بين الموروث الصوفي والاسلامي بمجال الصور او التخيلات العديدة التي توفر فرصة، او مشترك بين المطلق والنسبي، بين الماضي والمستقبل، بين الكمال والنقص، ولعل اوضح تعبير عن ذلك يتمثل في حكاية منطق الطير لفريد الدين العطار، حيث تبحث الطيور الثلاثون عن طائر وهمي اسمه (السيميرغ ) او العنقاء فتجول العالم كله بحثاً عنه. وحين تفرش اجنحتها محلقة في طريق عودتها خائبة تنظر الى نفسها فتكشف انها هي ( السيميرغ ). وفي رواية اخرى انها الطيور تبحث عن الغائب المخلص اكتشفه في كلها منعكساً في مرآة سماوية. وهذه الالتقاطة الرمزية الذكية التي ذهب اليها الاستاذ سعيد الغانمي منحت رواية الركابي ملحميتها واسطوريتها ووجود المقدس كامناً في التفاصيل الصوفية، كذلك حاضر ضمن شخوص الرواية وهو سيد نور. استدلال الغانمي بمنطق الطير، فتح فضاء مطلقاً امام سردياته التي اكتشفت بالأخير بأن السيميرغ هو الذي يقودها، وكل الطيور هي السيميرغ .
واعتقد بأن الناقص الموجود في نهاية الرواية، والممثل له بالصفحة البيضاء هي التي يومئ الغانمي اليها رمزياً، حتى اللحظة التي تحين لاستكمال السردية السابعة التي ظلت فارغة. ومثل هذه الرمزية الشفافة هي التي تنتظر الاتي / المستقبل الذي سينهض بوظيفة استكمال الرواية، بمعنى انها باقية لمدى غير معروف. والورقة البيضاء رمز لاهوتي مسيحي معروف، وقريب جداً لكل العوائل، لأنها ــ الورقة او الاكثر ــ الموجود في نهاية الكتاب المقدس، هي الذاكرة الخاصة بإرادة العائلة لزمن لا يستطيع احد تحديد مداه. واحيانا يبقى مفتوحاً لتاريخ طويل جداً، ولا احد يعرف من سيكون والذي سيسجل فيه ملاحظة ــ ايضاً ــ غير معلومة، ربما عن ولادة جديدة او وفاة، انها عن غير المتوقع .
ملاحظتي المتأخرة تمجيدية لروائي كبير، استطاع تأسيس ذاكرة من سرديات متنوعة، اساطير، دراسات / طقوس علوم، تصوف، معرفة، وهو من القلائل الذين استطاعوا تحويل كل الكامن في الخزان الذاكرتي، ليجعل من بعضه عملاً روائياً ويكاد يكون عبر تجربته الخاصة معنياً بالتاريخ، لكنه تاريخ مغاير عن تواريخ الوقائع والاحداث الكاذبة والتي يغيب فيها ما هو حقيقي…. عبد الخالق يتخيل تواريخه ويبتعد عن الخيال بالتعامل مع السرد .