رولان بارت بقلم أناه عندما يكتب نصاً يدعوه رولان بارت

د. رسول محمد رسول

منذ سنوات مرّت كنت انتظر ترجمة كتاب (Roland Barthes, Éditions du Seuil: Paris, 1975) إلى العربية، وها هو يصدر بلغة الضاد تحت عنوان (رولان بارت بقلم رولان بارت) نهض بترجمته «ناجي العونلي» ليطبع في سنة 2018، ويصدر عن دار الجمل في بيروت بلبنان من دون مقدِّمة عربية كان المأمول توقعها بقلم المترجم ذاته من جانبي كقارئ، ولذلك ما عليك – بوصفك قارئاً عربياً لهذه المذكّرات التي لم تأت على درجة تعاقبية صارمة – سوى الدخول إلى نص بارت مباشرة، كما يشاء المترجم، من دون توضيحات تقديمية وهو ما أعيبه على ناجي العونلي الذي قرأت له ترجمات أخرى دسمة الأداء.

صور وطفولة
مع ذلك لرولان بارت (1915 – 1980) مذاقه عندما يكتب عن تجربته الوجودية – الإبداعية فيفتح ألبوم صوره طفلاً لتأتي الكتابة عن طفولته عبر الصور ما يخص والديه وذويه وأبناء وبنات المدن التي سكنها، لكنه يستأنف رأيه؛ إذ لم يكن للأب أي خطاب كما غيره. لقد جعل بارت من صور الطفولة وذويه ممارسة سيميولوجية، ذلك أن «الفضاء العمومي هو في كل الأماكن هو/ هو، ملائم بالتمام لمتعة الرسم والكتابة والتريث»، هذا الفضاء يتداخل مع فضاء الخصوصي والذاتي والشخصي.
في هذه المذكّرات، يدس بارت رؤاه ومفاهيمه وتجاربه، فمنذ الفقرة 51 يبدأ بذلك، فهو لا يميل إلى الاعتباطية كما هي لدى سوسير، ولا التعاقبية الصارمة، ولا التماثل، ولا يميل إلى الإيديولوجيا لأنها ليست سوى «الفكرة من حيث تطغى»، وينفي عن فن الحياة أن يكون له تأريخ؛ إذ «ليس ثمَّ تقدُّم في المتع؛ بل لا يوجد سوى تحوّلات». وبارت يحبذ لغة ثالثة، ففي «نزاع الخطابات لن يكون الانتصار إلا للغة الثالثة، وذلك هو الذي يحرّك دائرة اللوغوس».
يميل بارت إلى «أسماء الإعلام» لكون الاسم «على غرار الصوت والرائحة لاعجة عشق»، ويميل كذلك إلى «الافتتان بالحمق»، ويكشف عن عشقه وولعه بالإثنينية الفنولوجية؛ إذ «أن سيميولوجيا تتخلى عن الإثنينية لم تعد تشغله على الإطلاق». وليس من مذاق بارت ميله إلى السياسة، لكنه يقول عن السياسي: إنه «يتبوّأ المنزلة التي للغات ويتحوّل إلى بابل»، ويدعو السياسي إلى عدم التورّط في «التكرار»؛ بل ويدعو الناس إلى التطابق على الأقل بين «الذوق والأفكار»، وهو هنا لا يخشى القول إنه مولع بالجماليات. وينتقل إلى السينما بلذيذ الكلام، ففيها «الدال نفسه يكون فيها دائماً وبالكبع أملس بلا هوادة».

أنا نفسي بلا ترميم
يأتي إلى الوسط الذهبي، وأقصد حديثه عن ذاته وهو الذي يقول: «أنا أتخلى عن التعقب الزمني المضني لقطعة مني، ولست أبحث عن ترميم نفسي؛ بل أنا أكتب نصاً وأدعوه رولان بارت، ومن ثم استغني عن المحاكاة، عن الوصف». ومن ثم يضيف: «أنا نفسي، أنا تأريخ ما يحدث لي»! لكن بارت يشهد على ارتمائه في المتخيّل فيقول: «نحن نعاصر فلسفياً الحاضر من دون أن نكون معاصرين له تاريخياً، وفي الوقت نفسه لست معاصراً لحاضري إلا بالخيال». لقد مثّل ذلك رؤية تبدو غريبة لدى بارت! فتاريخ ما يحدث له يلجمه المخيال الإنساني؛ ولهذا يتهرّب بارت من كتابة ذاته على نحو تعاقبي لحظة إثر أخرى.
لكنه وفي معرض حديثه عن جسده يأخذنا إلى الواقع – الواقعي، فلا مخيال يفرض كينونته عليه في هذا الحديث، «فلا يوجد جسدي بالنسبة إليَّ إلا في شكلين دارجين هما: صداع نصف الرأس والشبقية»، ويعترف بأن جسده «هو بنسبة ضعيفة مسرح لنفسه»، ومن ثم نراه يحلّق في فتنته الجسد التي «تأسره فتنة الجسد المُجمعن، والجسد الميثولوجي، والجسد الاصطناعي، والجسد البغي، والأجساد العمومية أو الأدبية المكتوبة»، ويختم بقوله: «لي جسدان؛ جسدان محليات، جسد باريس، جسد يقظ ومتعب، وجسد ريفي مستريح وثقيل». وهذا تجلٍّ من تجليات الجسد الواقعي، ولذلك

صراع وفرق
ينصرف بارت سنة 1945 عندما أجرى عملية جراحية نالت من «ضلع» في صدره، ويتطرّق إلى مسألتي التفكيك والتقويض، ويقول: «إني أفكِّك نفسي شيئاً فشيئاً: أنحرف وأتمسَّك وأنقاد». ويدعو إلى «الطقوس الدقيقة للصداقة»، ولم يكن بارت يميل إلى «العلاقة المعمّمة المشتركة بين جماعة»، أما عن الكتابة فيقول: «أكتب: هي ذا الدرجة الأولى للغة، ثم أكتب أني أكتب: إنها درجتها الثانية»، واليوم ترانا «نستهلك الثانية» فيقول وعلى نحو وجودي: إن «الدرجة الثانية هي أيضاً طريقة حياة». ويعتقد بأن «الفصل» هو «الحركة الجوهرية للفن الكلاسيكي»، بينما «الدمج» هو «للعلوم الاجتماعية والفيلولوجية»، أما الفن فهو «تخريب وزيغ».
ويصف «الصراع» بأنه سيمانطيقي أما «الفرق» فهو متعدِّد، وشبقي، ونضي». ولا يخفي بارت ولعه بالقسمة، وفي حديثه عن تعامله مع موسيقى البيانو يقول: «الماهر يؤسس عن تفكير ما سيصير سلوكاً آليًا»، وعن تجربته في العزف: «لا أكتب البتة حركات الأصابع؛ أرتجل عند كل عزف وكيفما اتفق» وتلك هي طريقته.
أما رحلات عمله إلى الريف فيقول متسائلاً: «أعمل في الريف، علام؟ على معاودة قراءتي للأسف!»، ومن ثم يتحدَّث عن تجربته القرائية في المعجمية اللغوية لفك التباسات مفردات يعلمنا على عشقها وهي تحوزه في أحيان غالبة وبارت البارع باستخدام الألفاظ في كل كتاباته.
إن رولان بات في كتابه (رولان بارت بقلم رولان بارت) يقدِّم لنا ذاته وهي تتعامل مع التربية الثقافية والمعرفية وعلاقاته مع قطاعات الثقافة التي جربها في حياته، ولذلك لا يتكلّم عن سيرته الذاتية والحياتية على نحو قبلي فهو لا يتحدَّث عن مرض السل الذي اجتاح جسمه. وفي الواقع، وكما يبدو لي، أنه أراد هكذا حديث عن ذاته أن يقوله ويدلقه بلغة ثانية أشبه ما تكون لغة إبداعية يكسر بها الخط المستقيم لمعيشه حتى لتبدو ذاكرته مفتتة، لكنه، وهذا رأيي، قصدَ ذلك بمحض إراداته، وكم كنتُ أتنمى عليه أن يحدّثنا عن تجاربه في تأليف كتبه، وهي كثيرة، رغم أنه يذكر كتبه في سياق قول الذات في خلال هذه المذكّرات التي يصبها في لغة أخرى غير لغة السرد المعتاد في الحديث عن تجربة الذات الفردية والحياتية. لقد سعى رولان بارت إلى إضفاء فرادة متفرِّدة على ما يكتبه عن حياته بوصفه مبدعاً في عوالمه الأنطولوجية التي عاش فيها.