سكنها الساسة وغنت فيها أم كلثوم ساحة الميدان… تبكي ماضيها

يوسف المحمداوي

لاأدري من هو صاحب القول « لاتخسر شيئا تعلم بأنك لن تجد مثله» ولكنه حضر معي وأنا أذرع بخطاي ساحة الميدان ذلك الشريان الرابط بين شارعي الرشيد والجمهورية، والتي تعد من أقدم ساحات بغداد وأعمقها في حفظ ذكريات خسرناها ولم نجد بديلا عنها، الساحة التي بنيت في العصر العباسي لكونها مجاورة لقصورهم وكانوا يستخدمونها كساحة للمارسة لعبة الكرة والصولجان، وحين احتل العثمانيون العراق جعلوها كموقع لتدريب جنودهم لتتحول بعدهم الى منتجع ثقافي وسياسي وفني، فلاعجب ان تجد فيها حوارات أو تظاهرات سياسية، مناقشات وجدالات ثقافية بين شاعر وآخر، حفلات غنائية والدليل ان كوكب الشرق ام كلثوم غنت فيها من على مسرح فندق الهلال في العام 1935،ناهيك كونه عبارة عن مقر لأشهر المطربات العراقيات كسليمة مراد وغيرهن من الفنانات،وللساحة موقعها المهم فهي مجاورة لوزارة الدفاع والمكتبة الوطنية وكذلك لوزارة الخارجية قبل ان تنتقل الى منطقة علاوي الحلة، وكذلك محافظة بغداد قبل انتقالها الى موقعها الحالي، وتوجد في الساحة كنيسة بجانب بناية المحافظة سابقا ، الساحة المشهورة بأقدم اسواقها «سوق هرج» كانت مقرا لحافلات مصلحة نقل الركاب،والداخل لشارع المتنبي او مقاهي الرشيد «الزهاوي، حسن عجمي، ام كلثوم، البلدية الذي كان مقرا لمطربي المقام من امثال القبانجي ويوسف عمر والملحن عباس جميل وبقية المقاهي» لابد ان يلقي التحية عليها قبل المرور فكل شبر منها يقول من هنا مر الرصافي ،وهنا شاكسه الزهاوي،وهنا كان يهتف كامل الجادرجي الذي كان يسكن منطقة الميدان، وهنا غنى ناظم الغزالي الذي ولد في منطقة الحيدرخانة المحاذية للساحة، ومن جوارها وتحديدا من جامع الحيدرخانة انطلقت انتفاضات خمسينيات القرن الماضي، وكانت كل صباح تحظى برؤية وصفي طاهر ورفعت الحاج سري وجميل المدفعي الذين كانت بيوتهم في منطقة الصابونجية المحاذية للساحة، تحملت تشرد الشاعر عبد الامير الحصيري وصعلكة حسين مردان، رسم فيها الفنانون أجمل لوحاتهم .
كيف نراها اليوم ؟ عبارة عن ساحة تملأها عربات وبسطيات لبيع الملابس العتيقة وحاجيات قديمة كالبراغي والسلع المستهلكة ، تجدها في المساء خالية خاوية الا من مجموعة من الشحاذين والنصابين الذين يسكنون فنادقها الآيلة للسقوط، والمشردين الذين اتخذوا من الساحة فندقا لهم، وفي كل صباح يجتمع المارة على جثة احدهم قد فارق الحياة ، وهناك من يتحدث عن وجود عصابات تتواجد داخل فنادقها لتتوارى عن انظار السلطة الغائبة ليلا هناك، فمن غير المعقول ان تتحول هذه الساحة قبل مغيب الشمس الى ساحة أشباح فالمحال والمقاهي تغلق ابوابها قبل الساعة الرابعة عصرا، وهي الساحة التي كانت تنبض بالحياة وتسهر حتى الصباح بمحالها وفنادقها ومقاهيها ، ومن حقنا ان نسأل المعنيين على حماية تراث وتأريخ بغداد أن يلتفتوا إليها ويعيدوا لها بريقها وسابق مجدها بعد ان جزعت من الاستغاثة والنواح.