سلاماً أيُّها السمارتفون

شوقي عبد الامير

منذ الثورة الرقميَّة التي أطبقتْ على كوكبنا الأرضي والتي حوَّلته إلى شاشة صغيرة يحملها الأطفال مثل الكبار في جيوبهم، ما زالت التداعيات والتطورات تتسارع وتأخذ شكل الهزّات تارة أو الانهدامات تارة أخرى وحتى المفاجآت والصدمات المتلاحقة ونحن الذين نعيش في غمرة هذه الثورة الكونيَّة لا نملك حتى متابعة وفهم ما يجري حولنا وما يُخطَّط لنا وما ينتظرنا، ذلك أنَّنا منذ أواخر القرن المنصرم صار حالنا مثل ركابِ باخرة عظيمة في عرض البحر تتقاذفها الأمواج والعواصف، ولا رُبّانَ يكشف لنا عن خارطة الرحلة ولا مآلها، فنحن كلّ يوم يقودنا اكتشافٌ رقميٌّ الكتروني إلى حيث يشاء، حتى أصبح هذا الأب الالكتروني مربيَ الصغار أكثر من آبائهم وهاديَ الكبار أكثر من تعاليمهم.
إنَّ الثورة الرقميَّة اليوم ـــ دون أنْ نعلم ودون استئذان ـــ تحقِّق نتائج هائلة في توحيد القارات وإخضاع اللغات والدول؛ كبيرِها وصغيرِها إلى تعاليمها، دون أن تُفصِحَ لنا عن الغاية المنشودة كما تفعل الثورات الايديولوجية والأديان لأنَّ هذه الثورة العلميَّة لا تُحبُّ الشعارات ولا الاضرابات والتظاهرات، فهي تفعل ما تريد ببني الإنسان من خلال استثمار الضعف البشري أمام التطوُّر التقني وتوفير الخدمات واستثمار الوقت وكلّ ما من شأنه تحسين إقامة الكائن البشري في هذا الكوكب المليء بالأسرار والمجاهيل، ولهذا وجدنا الشعوب؛ كلّها على اختلاف أعراقها ومذاهبها وثقافاتها، دخلت طوعاً إلى معبد الانترنت الذي صار له اسم هو السمارتفون.
هذا الجهاز الصغير الذي تنوّعت أسماؤه عبر اللغات من «المحمول» أو «الخليوي» إلى « النقّال» حسب كلّ لغة، أصبح له اسم مشترك بين جميع اللغات اليوم وهو «السمارتفون»، وهذا الاسم بدأ ينتشر ويسود على جميع اللغات اللاتينيَّة في شرق الأرض وغربها وما زال دخوله إلى العربيَّة في مراحله الأولى.. سيصبح السمارتفون في العربيَّة كما كان التلفون والتلفزيون والغراموفون … الخ في مطلع القرن المنصرم عندما بدأت هذه الأجهزه تجتاح حياتنا.
إلّا أنَّ السمارتفون هذا هو أخطر الأجهزة التي أَلقَتْ بها الحضارة الغربيَّة، إلى حياتنا لأنه يهدِّد النسيج الاجتماعي، خاصة في مثل بلداننا من خلال البعد الفرداني الذي يتميَّز به، ومن هنا فإنَّ انتشاره وتطوره سيقود المجتمعات الشرقيَّة ومن بينها العربيَّة خلال العقود القادمة إلى هيمنة الفردانية المتناقضة مع الطبيعة الجمعية لهذه الشعوب وهو ما سيُهدّدُ النسيجَ العائلي أوَّلاً، حيث سيقضي على احتكار العائلة للتربية ويفتح عوالم ومُخيّلة الأجيال القادمة إلى كلّ ما تقدِّمه هذه الشاشة الصغيرة من وجبات مُصنَّعةٍ ومدبلجةٍ في مختبرات العالم، يستطيع كلُّ فرد؛ صغيراً كان أم كبيراً الاطلاع عليها والتّأثر بها.
ليس الأفراد فقط هم من سيقعون تحت التأثير ــــ الإيجابي أو السلبي على حدٍّ سواء ــــ إنما الدول والحدود والسيادة وكلّ ما كانت الشعوب تسعى للاحتفاظ به باعتباره الخصوصيّة الحضاريَّة أو العرقيَّة أو الدينيَّة لِتَخرُجَ لنا أجيالٌ جديدةٌ، هي ما يسمِّيها الفيلسوف الفرنسي ميشل سير Michel Serre «أجيال السبّابتين»، لأنَّها تتعلَّم كل شيء عبر سبَّابتين تضغطان على الأرقام والحروف، حتى صارت هذه الممارسة بصمة الأجيال اليوم وعنوان وجودها .
وها نحن قد دخلنا منذ آواخر القرن المنصرم عصر السمارتفون بقيادة جيل السبَّابتين وما زلنا ركّاباً في العربة الخلفيَّة وسنبقى لأنَّ عبقريَّة هذه التكنولوجيا تتفجَّر في أصقاع وعواصم بعيدة عنا.. عن ثقافتنا وحضارتنا ولا نملك الّا أنْ نهرول خلف القاطرة لِنصَعد فقط في العربة التي تجرها خُيولٌ «رقميَّةٌ» مُطهَّمةٌ لا تعرفها قواميسُنا ولا حكّمُتنا ولا أعرافُنا.

أيُّها السمارتفون، سلاماً!