سمارتفونيون – إلى شوقي –

عواد ناصر

أثارت افتتاحية الصديق شوقي عبدالأمير، في العدد الماضي من «بين نهرين» مشكلة معقدة واجهها الناس بعد ثورة المعلومات والتكنولوجيا الإلكترونية، وما تضمنته من مشاكل فرعية ليست أقل تعقيداً بشأن التواصل الاجتماعي، عبر الأجهزة الاتصالية الحديثة، وما سميته، ذات يوم، الانفصال الاجتماعي، بعد ما انتبهتُ إلينا، نحن العائلة المكونة من أربعة أفراد، كل منا يتصفح «سمارتفونه» أو يحاور شخصاً ما لا يعرفه بقية أفراد هذه العائلة السمارتفونية، في تكريس جديد لعزلة الإنسان يكاد يكون غير منظور بشكل جلي.
عدت بذاكرتي إلى فترة السبعينيات، بدايتي مع الكتب والكتابة والنشر، فعجبت: كيف كنت أكتب على الورق وأحمل ما كتبت بنفسي إلى حيث تقع الجريدة أو المجلة في بغداد، بينما أحمل مقالتي/ قصيدتي إلى دائرة البريد لأبعثها إلى صحف ومجلات عربية خارج العراق.
ولا أنسى ما سمعت من أحدهم، تلك الحقبة، بأن سيأتي على الناس، حين من الدهر، ما يجعلهم يشاهدون الشخص الآخر الذي يتحدث إليهم بالهاتف العادي! وكان ذلك ما يشبه النبوءة المستحيلة.
قبل ذلك كان آباؤنا وأجدادنا، يَرَوْن في الراديو نوعاً من الجن والسحرة يقبع داخل ذلك الصندوق الخشبي المتكلم والمغني والممثل، حتى أن إحدى جاراتنا (موزة أم حسين) انحنت خلف ذلك الصندوق من جهته الخلفية لتحدق عبر الثقوب باحثة عن أولئك الجن والسحرة، لكنها لم تشاهدهم فعلقت: أنا أعرف أن لدى الجن والسحرة القدرة على التخفي عندما يشعرون بوجود بني آدم، ولم تتوقع أن بعد قليل من السنوات سيحل في بيوت الناس جهاز أخطر جنوناً وسحراً، اسمه التلفزيون، وهو اسم لم تتمكن من نطقه حتى رحيلها.
إحدى قريبات أمي، اسمها «حياصة»، غطت وجهها خجلاً وحرجاً بفوطتها عندما أطل المذيع من الشاشة يقرأ نشرة الأخبار.
اليوم، ونحن نرى الوجه الإلكتروني للعولمة، على رحابته وكرمه، وما يقدمه لنا من خدمات مدهشة، أدرجنا، هذا الوجه، ضمن شروطه وتعاليمه، ولم يعد لدينا أي من الخيارات والبدائل لنتجنبه، في وقت يقدم فيه لجيل الشباب كل ما يحلمون به من سهولة غير متناهية للحصول على المعلومات من دون التحقق من دقتها أو صحتها: إنه جيل «عصر السهولة» للأسف، الأمر الذي حذّر فيه الإيطالي أمبرتو إيكو هؤلاء الشباب من سوء استخدام شبكة الإنترنت وليس من الشبكة نفسها، مما ولد نوعاً من سوء الفهم حتى في الأوساط الثقافية والإعلامية، داخل إيطاليا، عندما اُتهم بأنه ضد الحداثة وثورتها التكنولوجية، فأوضح في مقالة له: «إن نقدي لمن يقودون سياراتهم بسرعة جنونية، أو وهم في حالة سكر لا يعني أنني ضد استخدام السيارات».
يوضح إيكو في المقال نفسه: «الكتاب نتاج كامل، صغير وخفيف ومتماسك ويمكن استعماله في أي مكان». وهو هنا لا يدافع عن الكتاب المحاصر بالسمارتفونيين، فحسب، بل عن الاستعمال الديمقراطي للعولمة وثورتها، فالكتاب يمكن قراءته حتى على ضوء فانوس نفطي أو شمعة في قرية أفريقية فقيرة، نائية، قد لم تصلها الكهرباء بعد، بينما «الانترنت مخصص للأغنياء والمثقفين، مما يخلق تصدعات اجتماعياً. أما الطبقة الوسطى فتستخدم الكومبيوترات ولكن بشكل سلبي» وإن لم يوضح هذا بشكل كافٍ في مقاله المذكور.
تتعاقب السنوات لأجد نفسي لاجئاً إلى لندن، هارباً من دولة «الصندوق الأسود» الذي لم يفتحه أحد حتى اليوم، ففرحت وأنا أرى ستة ركاب يقرأون كتباً من أصل عشرة في عربة المترو.
وتتعاقب سنوات أخرى، وقد حل «بين ظهرانينا» السمارتفون، فإذا بالكتاب ينحسر من بين أيدي ركاب القطارات لصالح هذا الجهاز العبقري، إلا أولئك الأشخاص من يقاربونني بالعمر، أو الأكبر قليلاً، ممن لم يزالوا يتمسكون بجمرة الكتب الورقية، بينما أنا أتصفح سمارتفوني ولكنني أقرأ كتاباً وإن كان بصيغة الـ PDF.