سيمون فاي : في الحرية والطاعة

ترجمة : عبد الرحيم نور الدين

الحرية غذاء لازم للنفس البشرية، تكمن الحرية، بالمعنى الملموس للكلمة، في إمكان الاختيار. يتعلَّق الأمر طبعا بإمكان واقعي. حيثما وجدت حياة جماعية مشتركة، حتما ستقوم قواعد مفروضة بالمنفعة المشتركة بالحدّ من الاختيار.
لكنَّ امتداد الحرية ليس أقل أو أكثر كبراً تبعاً لضيق أو اتساع الحدود، إنَّها تمتلك امتلاءها في شروط صعبة القياس.

الحرية
ينبغي أن تكون القواعد معقولة وسهلة وبسيطة بالقدر الذي يسمح لمن يرغب ويتوفر على ملكة انتباه متوسطة، بأن يفهم من جهة أولى الفائدة المطابقة لها، ومن جهة ثانية الضرورات الواقعية التي فرضتها. ينبغي أن تصدر القواعد عن سلطة لا ينظر إليها الناس كسلطة غريبة أو عدوّة، بل سلطة محبوبة باعتبارها منتمية إلى أولئك الذين تحكمهم. كما ينبغي أن تكون مستقرة، قليلة العدد وعامة بقدر يستطيع التفكير معه استيعابها مرة واحدة وإلى الأبد، وليس أن تتصادم في ما بينها في كلّ مرَّة يكون من المطلوب اتخاذ قرار ما.
في ظلّ هذه الشروط، تعدُّ حرية البشر ذوي الإرادة الخيّرة تامة في الوعي، وإن كانت حرية محدودة في الظروف الواقعية. وطالما أن القواعد أدمجت في كيانهم ذاته، فإنّ الإمكانات الممنوعة لا تحضر في ذهنهم ولا تحتاج إلى أن ترفض. بالمثل فإن العادة المرسخة بالتربية، التي تجعل المرء يتجنب الأطعمة المثيرة للاشمئزاز والخطيرة، لا يشعر بها الإنسان السَّويّ كحد من الحرية في مجال التغذية. وحده الطفل يشعر بالحدّ.
إن من يفتقر إلى الإرادة الخيّرة أو يبقى طفلا، ليس أبداً حراً في كلّ أحوال المجتمع.
عندما تتّسع الخيارات إلى درجة الإضرار بالمنفعة المشتركة، لا يملك البشر التَّمتُّع بالحرية. ذلك أنه ينبغي لهم إما الاستعانة بملاذ اللا مسؤولية، والصبو، وعدم الاكتراث، و هو ملاذ لن يجدوا فيه سوى الملل، و إما الإحساس بإرهاق المسؤولية في كل الظروف خشية الإساءة للغير. في مثل هذه الحالة يضطر البشر، معتقدين خطأ أنهم يمتلكون الحرية وشاعرين بأنهم لا يتمتعون بها، إلى الظن بأن الحرية ليست خيرا.

الصفحات 21 و 22 و 23
من الفصل: حاجات النفس Les Besoins de l’âme
من كتاب « التأصيل» L’Enracinement (منشورات غاليمار1962 )

الطاعة

تعدُّ الطاعة حاجة حيوية للنفس البشرية، إنها نوعان: طاعة بقواعد مثبتة وطاعة كائنات بشرية منظوراً إليها كرؤساء. إنها تفترض الموافقة، ليس حيال كل أمر من الأوامر المتلقاة، بل هي موافقة ممنوحة مرّة واحدة وإلى الأبد، ومشروطة بمتطلبات الوعي، حال الاستحقاق. من الضروري الاعتراف بشكل عام، وقبل كلّ شيء من طرف الرؤساء، بأنَّ الموافقة وليس خشية العقاب أو طعم المكافأة، هو ما يكون بالفعل، النابض الرئيس للطاعة، بحيث لا يشتبه في الخضوع أبدا كأنّه ذلة. ينبغي أن يكون معروفا أيضا، أن الذين يأمرون يطيعون من جهتهم؛ وينبغي أن يكون التسلسل الهرمي كله موجها نحو هدف يشعر الجميع، من الأعلى إلى الأدنى، بقيمته وحتى بعظمته.
ولما كانت الطاعة غذاء ضرورياً للروح، فإنَّ كل من يحرم منها يعدّ مريضا. لذا فإن كل مجتمع يحكمه رئيس سيادي لا يخضع لمحاسبة أي كان، يجد نفسه بين يدي مريض.
لذلك، فحيثما وُضع رجل طيلة حياته على رأس تنظيم اجتماعي، ينبغي أن يكون ذلك الرجل رمزاً وليس رئيساً، كما هو الحال بالنسبة لملك انكلترا؛ ينبغي أيضا أن تحد الأعراف من حريته وتضيقها أكثر من حدّها وتضييقها لحرية أي إنسان من الشعب. بهذه الطريقة، سيكون للرؤساء الفعليين، وإن كانوا رؤساء، شخص ما فوقهم؛ ومن جهة أخرى، فإن بوسع كل واحد منهم، بدون أن تنكسر الاستمرارية، أن يعوَّض الآخر، وبالتالي أن يحصل على حصته اللازمة من الطاعة.
إن الذين يُخضعون الجماهير البشرية بالإكراه والقسوة، فإنهم يحرمونها في ذات الوقت، من غذاءين حيويَّين، هما الحرية والطاعة؛ لأنه لم يعد بمقدور هذه الجماهير منح موافقتها الباطنية للسلطة التي تكابدها. ينتزع الذين يفضلون حالة يكون فيها طعم الربح هو الباعث الرئيس، الطاعة من البشر، لأن الموافقة التي هي مبدؤها، ليست شيئا للبيع.
تُظهر ألف علامة أن بشرَ عصرنا كانوا منذ زمن بعيد متعطشين للطاعة. لكن هناك من انتهز ذلك لإهدائهم العبودية.

الصفحتان 23 و 24
من الفصل: حاجات النفس Les Besoins de l’âme
من كتاب « التأصيل» L’Enracinement ( منشورات غاليمار 1962)