شذرات نتشوية حول الفلسفة والفن

إدريس كثير

كتاب «الفيلسوف» أنجزه نتشيه في سنوات «ميلاد التراجيديا» ما بين 1872_1875 و هو عبارة عن شذرات ترسم الخطوط العريضة لتصور نيتشه للفلسفة وعلاقتها بالفن والعلم والحضارة. وفيه يحتل الإنسان التراجيدي المرتبة الأولى مقارنة بالإنسان النظري العلمي. من خلال مفهومي «إرادة القوة» و «العود الأبدي» سيعيد نيتشه صياغة تصوره للفلسفة والفن . المفهوم الأول له علاقة بالوجود التاريخيي والصيرورة والثاني بالوجود الأنطولوجي المتجاوز للتاريخ والمطل على الوهم والإرادة والألم. بالفلسفة وإرادة قوتها وبالفن وعوده الأبدي تتأسس حضارة الإنسان وتتحقق إنسيته.
* F . Nietzsche.Le livre du philosophe.
Trad. Angèle-Kremer-Marietti.Flammarion. 2014.

هذه بعض الشذرات في الموضوع:
في الأعالي شيء واحد: أفكار الفيلسوف وأعمال الفنان وأعمال الخير .
يجب إيضاح كيف أن حياة شعب بكامله تعكس بطريقة غير خالصة وغامضة الصورة التي يقدمها عباقرته العظام:
هؤلاء ليسوا ثمار الحشود لكن هذه الأخيرة تنعكس في آثار أولئك العباقرة .
وما هي العلاقة بين هؤلاء ؟هناك جسر لامرئي بين عبقري و آخر . هذا هو التاريخ الحقيقي لشعب ما ، كل شيء آخر ما هو سوى تغيرات عديدة و شبحية في مادة سيئة ، صورت بأيادي عديمة المهارة . العباقرة هم أيضا القوى الإيتيقية لأمة ما كما تظهر في عبقريتهم .
كيف تفلسف ما قبل السقراطيين في العالم الرائع للفن ؟ هل يتوقف التفلسف لمّا نصل إلى اكتمال الحياة ؟ لا .حينها فقط يبدأ التفلسف الحقيقي.إن حكم هذا الأخير على الوجود يبوح لنا أكثر لأن أمامه اكتمال نسبي: أمامه كل سفن الفن و كل الأوهام .
يشتغل الإنسان في عالم الفن و الفلسفة على «خلود العقل» لكن الإرادة بمفردها هي الخالدة .مقارنة بها كم يبدو خلود العقل الذي تحققه الثقافة المفترضة للعقول الإنسانية بائسا .سنلاحظ آنذاك أية مرتبة سيحتلها في الطبيعة .
لكن كيف يمكن للعبقرية أن تكون في نفس الآن الهدف الأقصى للطبيعة ؟ هناك البقاء على قيد الحياة بالتاريخ و بالتوالد.
التوالد الأفلاطوني هنا يتم في الجميل – إذن لولادة العبقرية لا بد من تجاوز التاريخ وانغماسها و خلودها في الجمال.
ففيها شيء موحش هو نقيض التأريخ الأيقوني .
لا عليها سوى الحديث عما هو كبير و فريد من نوع نماذجه .
هكذا تفهم مهمة الجيل الفلسفي الجديد .
الهيلينيون الكبار من زمن التراجيديا لا صلة لهم بالمؤرخ في حد ذاته.
الفيلسوف لا يمكث بعيدا عن الشعب بالمطلق إلا إذا أرادت منه الإرادة شيئا ما.نفس القصد نجده في الفن – يريد جماله و خلاصه.الإرادة ترنو نحو الصفاء و النبل: من درجة إلى أخرى.

واجب: معرفة غائية العبقرية الفلسفية. ألم يكن الفيلسوف سوى المسافر الذي يظهر هكذا صدفة ؟ على كل ، لمّا يكون حقيقيا ، لا علاقة له بالوضعية السياسية الظرفية لشعب ما ،على العكس من ذلك ، فهو لا زمني بالنسبة لهذا الشعب . ما هو نوعي لدى هذا الأخير يظهر هنا باعتباره فردا، و تشرح غرائز الشعب من حيث هي غرائز كونية . إن الطبيعة تنجح بالفصل في نظرها إلى هذه الغرائز و هي في حالتها الخالصة. والفيلسوف وسيلة للوصول إلى الراحة ضمن التيار الجارف ، و الوعي بكونه الشخص الدائم على حساب التعددية اللانهائية.
الفيلسوف علامة تتمظهر كمرسم الطبيعة .معا هو و الفنان يتحدثان عن أسرار مهنة الطبيعة .فوق هرج و مرج التاريخ المعاصر، ينمو فضاء الفيلسوف والفنان بعيدا عن الضرورة .
الفيلسوف يشكل حصّارا لعجلة الزمان .في فترات الخطر العويصة يظهر الفلاسفة و في اللحظة التي تزداد فيها سرعة عجلة الزمان يحتل الفلاسفة و الفنانون مكان الأسطورة الآفل . لكنهم ينطلقون بعيدا في المقدمة لأن انتباه معاصريهم لا يجاريهم إلا لماما.
الشعب الذي يعي المخاطر ينتج العبقرية .
نحن في حاجة للقوى الفنية المبدعة ، ضد التاريخ الأيقوني وعلوم الطبيعة.
ما الذي يجب أن يقوم به الفيلسوف؟وسط الضوضاء ،عليه أن يركز على مشكل الوجود وخاصة المشاكل الأبدية ؟
من واجبه التعرف على ما نحتاج إليه وعلى الفنان إبداعه .على الفنان أن يتعاطى ما أمكن مع الألم الكوني .مثل فلاسفة الإغريق القدامى ، كل واحد منهم عبر عن تخوفاته : في هذه الفجوة يدمج الفيلسوف نسقه و يبني عالمه .
إذا أردنا إنجاح حضارة ما ، علينا امتلاك قوى فنية غير مسبوقة لتحطيم غريزة المعرفة اللامحدودة و إبداع وحدتها . المروءة القصوى لفيلسوف ما تتضح هناك حيث تكثف غريزة المعرفة اللامحدودة و يجبرها على الوحدة .
مهمتي هي : الإمساك بالترابط الداخلي و الضروري لكل حضارة حقيقية. العلاج الوقائي و الشفائي لكل حضارة هو علاقتها بعبقرية شعبها .نتيجة هذا العالم العظيم للفن هي الحضارة . لكن غالبا ما لا نصل إلى الانسجام التام للعمل الفني بسبب التيارات المعادية .
من واجب الفلسفة أن تحافظ على المجرى الروحي بيد من حديد عبر القرون : من هنا الخصوبة الأبدية لكل ما هو كبير.بالنسبة للعلم ليس هناك ما هو كبير و لا صغير .لكن بالنسبة للفلسفة هذا هو المبدأ الذي يقيس قيمة العلم .

المحافظة على المهيب العظيم .
في حقبتنا هذه أي كتب تستنشق هذه القوة البطولية ؟ لم نعد نقرأ حتى بلوتارك.
فيلسوف المعرفة التراجيدية :يتحكم في غريزة العلم الهوجاء ، لا بميتافزيقا جديدة و لا يشيّد أية عقيدة .يشعر تراجيديا بأن مجال الميتافزيقا قد سحب منه و لا تكفيه تقلبات العلوم المختلفة .إنه يعمل من أجل تشييد حياة جديدة : يمنح فيها للفن حقوقه.
فيلسوف المعرفة الميؤوس منها يجره علم أعمى : المعرفة بأي ثمن .تكتمل صورة الوجود بالنسبة للفيلسوف التراجيدي حين تعتبر تلك الصورة أن كل ما يمت للميتافزيقا بصلة يبدو كما لو كان نزعة أنتروبومورفية . هذا الفيلسوف لا علاقة له بالشكاك .
يجب إبداع مفهوم لهذه الوضعية .لأن الشك ليس هو المبتغى .لمّا تصل غريزة المعرفة إلى مداها تنقلب ضد ذاتها لتتحول إلى نقد للمعرفة.علينا أن نتقفى الوهم. هناك توجد التراجيديا.

الفيلسوف الأخير:الفلاسفة أجيال و أجيال، لربما. و لا عليهم سوى المساعدة على العيش. «الأخير» هذا لفظ نسبي : في عالمنا. يبين لنا ضرورة الفن و الفن المسيطر على الحياة . ليس في مقدورنا إنتاج سلالة فلاسفة من جديد كما فعل الإغريق أيام الفلاسفة التراجيديون.الفن بمفرده يستطيع القيام بمهمتهم .نسق كهذا لم يعد ممكنا إلا كفن . من وجهة نظر حالية مرحلة كاملة من الفلسفة اليونانية تقع تحت طائلة الفن .
نادرا ما فهم جيدا مشكل حضارة ما. غايتها ليست هي لا السعادة الكبرى الممكنة لشعب ما و لا التنمية الحرة لكل مواهبه : غايتها تتبدى في القياس الدقيق لهذه التمنيات . إنها ترنو إلى تجاوز السعادة الأرضية و إنتاج الأعمال الكبرى. في كل الغرائز الخاصة باليونان تظهر وحدة مهيمنة :لنسميها الإرادة الهيلينية. كل واحدة من هذه الغرائز تجهد في أن توجد بمفردها إلى ما لانهاية . كان الفلاسفة القدامى يبحثون عن بناء عالم انطلاقا من هذه الغرائز.
تتمظهر حضارة شعب ما في الوحدة المهيمنة على غرائز هذا الشعب : الفلسفة تسيطر على غريزة المعرفة و الفن يسيطر على غرائز الأشكال و النشوة ، أغابي تهيمن على إيروس إلخ .. المعرفة تفصل . كان الفلاسفة القدامى يتمثلون انفصالا ما كان الفن الإغريقي يظهره مجموعا .
مضمون الفن و مضمون الفلسفة يتقاطعان، لكننا نرى العناصر المعزولة للفن تستعمل في الفلسفة للتحكم في غريزة المعرفة . هذا يمكنه أن يظهر أيضا لدى الإيطاليين : النزعة الفردانية في الحياة كما في الفن .