شكري خارشو :الخط العربي سيبقى من أهم وأجلّ آثار الحضارة العربية الإسلامية

أجرى اللقاء : وحيد تاجا

أكد الخطاط شكري خارشو أن الخط العربي سيبقى من أهم وأجلّ آثار الحضارة العربية الإسلامية.
ورأى في حوارنا معه: أن الخطاط الكلاسيكي هو المتصوف الحقيقي لأنه الأكثر تواصلا مع الخالق عز وجل من خلال تعامله مع الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والأقوال والحكم المأثورة. وعن أصعب الخطوط وأجملها قال: إن خط الثلث والنسخ هما من أصعب الخطوط على الإطلاق وأجملها الخط الفارسي. لافتا الى أن هناك خطوطاً لم يتطرّق لها الخطاطون مثل الخط (المسلسل) و(الكوفي القيرواني) و(الكوفي النيسابوري). ورغم كتابته لسبعة مصاحف، عدَّ خارشو كتابة المصحف الشريف من أصعب أنواع الكتابة.
ويعدُّ شكري خارشو أحد أهم الخطاطين الكلاسيكيين في سوريا، عمل ما يزيد على 25 سنة مدرسا للخط العربي ورئيسا لقسم الخط والتذهيب بمعهد الفنون التطبيقية بدمشق.
أنجز كتابة سبعة مصاحف، كما قام بتأليف عدد من الكتب لتعليم الخط للأجانب لصالح مؤسسة اقرأ العالمية ـــ شيكاغو فضلا عن إعداده لبعض الكتب التعليمية في الخط واختير عضواً في لجنة التحكيم الدولية للخط في العالم الإسلامي ـــ طهران عام 2000.

* كيف تطوَّر الخط العربي؟
– الخط العربي مرَّ بمراحل عديدة في تطوره كغيره من الخطوط والكتابات القديمة كالمرحلة الصورية والرمزية وإلى المقطع الصوتي حتى ظهور الفينيقيين والكنعانيين الذين حسَّنوا أشكال الحروف وساحوا بها في الأرض من خلال تجاربهم إلى الآراميين ومنهم إلى الأنباط الذين اشتهروا بالخط النبطي، ومنهم انتقل إلى الأنبار وبعدها إلى الحيرة، وعن طريق التجارة انتقل إلى الحجاز إلى أن جاء الإسلام فتطور الخط تطوراً عظيماً في العصر الإسلامي لما للخط والكتابة من تقديس في الإسلام، فقد خُطَّ به القرآن العظيم وقد شجع النبي صلوات الله وسلامه عليه ومن بعده الخلفاء الراشدون التدوين والكتابة، لذلك ظهر خطاطون مبدعون استطاعوا استخدام أقلامهم أفضل استخدام وعرفت الخطوط بأسماء أمكنتها فمنها الخط الملكي والمدني والبصري والكوفي والشامي وتعددت أقلامه وأنواعه ومدارسه في أرجاء الوطن العربي والعالم الإسلامي فمنها المدرسة الشامية والبغدادية والتركية والمصرية وظهر خطاطون مبدعون أمثال ابن قعلة وابن البواب وفي العصر الحديث بدوي الديراني وحلمي حباب وسيد إبراهيم، ومن نوابغ الخط كجمال الدين ياقوت المستعصمي.
كما ظهر خطاطون من خارج العالم العربي أمثال الشيخ حمد الله الأماسي ابن الشيخ والحافظ عثمان قايش زاده ومصطفى الراقم ومحمود شوقي والحاج كامل وسامي أفندي وعبد العزيز الرفاعي وآخر الخطاطين العثمانيين حامد الأمدي.

* ما مدى تأثير أدوات التعبير والنشر الحديثة على مفهوم الجمالية التقليدية لفن الخط ؟
– الخط العربي سيبقى من أهم وأجلّ آثار الحضارة العربية الاسلامية فهي موجودة على المخطوطات الأثرية القديمة، ويكفي الخط العربي فخرا أنه يحمل حروف القرآن العظيم وللأسف الشديد، وجود الحواسيب الحديثة ومن سار على فلك الغرب والعولمة يريد أن يقلّل من جمالية الخط العربي، ظناً منهم أن الجمال والدقة لا يكونا إلا من خلال أدوات التعبير الحديثة من حواسيب وغيرها، وبذلك يتم إلغاء أهم جماليات التراث العربي الإسلامي وأهم رموزه وهو الخط العربي، مع الإشارة الى أن الحاسوب جهاز له تقنية عالية يفيد الخطاط ببرامج معينة على تنظيف حروف الخط الذي يكتبه وعلى بعض التركيبات الخاصة بالخطاط شريطة أن تكون بخطه وألا تكون نقلا من خطاطين سابقين يعدون من عمالقة الخط.
* ما هي أهم أنواع الخطوط الحالية وهل هناك أنواع لم تعرف بعد كما حال بعض المقامات في الموسيقى العربية التي لم يتطرق اليها الملحنون؟
– هذا السؤال جميل جداً، فحركات الخط العربي وكتابتها فيها موسيقى صامتة تدغدغ عواطف كاتب الخط الذي يتأثر بالخط، وكما هناك مقامات في الموسيقى العربية هناك أيضا قواعد لبعض الخطوط التي أهملت سابقا ويجب تجديد تلك الخطوط واستخدامها مرة أخرى. كما هناك خطوط لم يتطرق لها الخطاطون مع الأسف، من هذه الخطوط خط جميل جداً هو الخط (المسلسل) وقد ظهر هذا الخط في العصر العباسي وهو خط سلس وجميل، وحبذا لو يعمل الباحثون في الخط على إبرازه وتطويره، وهناك الخط (الكوفي القيرواني) الذي يكتب بالأقلام وليس بالأدوات الهندسية، وهناك الخط (الكوفي النيسابوري)، فهذه الخطوط أعدّها معزوفات خطية تنادي أصحاب أقلام القصب لعزفها على الورق من جديد.
اما أنواع الخط العربي المعروفة حاليا فهي: الرقعة والنسخ والديواني والحلبي الديواني والثلث والمحقق والريحاوي والإجازة والنستعليق « الفارسي».

* وماهو أصعب أنواع الخطوط العربية وما هو أجملها؟
– تختلف وجهات النظر كثيرا بشأن موضوع جمالية الخطوط وصعوبتها، فهناك من الخطاطين من يرى أن خط الثلث أجمل الخطوط وأصعبها، ومنهم من يرى أن النسخ من أصعب الخطوط، وهناك من يرى ان خط النستعليق (الفارسي) هو أصعب الخطوط، يعني أن هناك إشكالية باختلاف وجهات النظر. ويمكن القول بشكل عام: إنَّ من هذه الخطوط ما هو سهل ممتنع وما هو صعبٌ بلوغ قمته، وشيء طبيعي أن يكون خط الثلث والنسخ هما من أصعب الخطوط على الإطلاق وبعدهما يأتي خط النستعليق «الفارسي»، فهذه الخطوط تحتاج إلى صبر كبير وإلى الدُّرَبة المستمرة وصعب بلوغ سُلَّمِها، أما أجمل الخطوط فهو الخط الفارسي.

* ماهي أوجه الاختلاف بين الخط العربي والخط التركي أو الإيراني؟
– هناك خط عربي فقط ولا يوجد خط تركي أو خط إيراني، ولكن هناك شعوب تكتب بالحرف العربي وبأساليب مختلفة ونسميها المدرسة التركية العثمانية والمدرسة الإيرانية والمدرسة الشامية والمدرسة المصرية والمدرسة العراقية.

* ماذا يعني ان تكون صوفيَّاً في اللوحة؟
– التصوف هو التواصل الروحي مع الخالق، وبرأيي أن الخطاط الكلاسيكي هو المتصوف الحقيقي لأنه الأكثر تواصلا مع الله عز وجل نظرا لأنه لا يتعامل إلا مع الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة والأقوال والحكم المأثورة، وكثيرٌ من الناس يدرج على ألسنتهم أن فلاناً صوفيُّ الخط وبنظري أن بعض الخطاطين الأتراك كانوا صوفيين في الخط لأنهم وصلوا إلى مرحلة التحليق في تصور تراكيب وحروف الخط وكما يقال إلى مرحلة الإعجاز الفني في الخط وهذه المرحلة لا يبلغها المرء إذا لم يكن على درجة عالية من الروحانية والاتصال بخالقه عزَّ وجل، فماذا تقول في الحافظ عثمان الذي كتب مائة وسبعة مصاحف وأوقف نفسه لخدمة المصحف، نحن نعلم أن الأشياء وحدها التي توقف لصالح مسجد أو لصالح وقف معين أما أن يوقف إنسان نفسه لخدمة كتاب الله ولخدمة الكتب الدينية فهذا الإعجاز في التجرد والاتصال، فتصوَّر أنه كان يكتب في شهر رمضان وشوال مصحفاً كاملاً وبدون أخطاء، بينما اليوم تكتب المصاحف بسنة كاملة وفيها من الأخطاء ما يستوجب إعادة كتابة المصحف من جديد، وعدا ذلك كان هذا الرجل يكتب طيلة الأسبوع فيختلف خطه يوم السبت لأنه خصص يوم الجمعة للعبادة هذا من ناحية ومن ناحية أخرى جمع كل ما زاد من بري الأقلام في أكياس طوال عمره موصياً بأن يُغسَّل بها حين وفاته.

*هل يمكن القول عن لوحة الخط الكلاسيكية إنَّها لوحة صوفية أم أن الامر ينطبق على اللوحة الحروفية التشكيلية فقط؟
– برأيي أن ناحية اللوحة الحروفية الحديثة لا تتمتع بأي قدر من الصوفية بل هي تشويه للخط والحرف تحت مسمَّيات واهية، وهي نوع من الهروب من الواقع، أما إذا كانت اللوحة الحروفية ذات قواعد خطيَّة مدروسة من ناحية الحروف وذات تراكيب غير مألوفة، شريطة التقيد بشكل الحرف الحقيقي، فعندئذٍ أؤيد التشكيل في الخط واحترم اللوحة الحروفية، على غرار الفنان الإيراني الشهير جليل رسولي أو الفنان بختياري.

* كم عدد المصاحف التي قمت بكتابتها حتى الآن؟
– قمت بكتابة سبعة مصاحف، أولها مصحف أنجزته خلال تسعة أشهر فقط، وطبع كأجزاء منفردة في دمشق كما قمت بكتابة مصحف آخر برواية ورش عن نافع، وهو معتمد في بلاد المغرب العربي.
كما كتبت مصحفا ثالثا برواية حفص عن عاصم، وهو المصحف الوحيد المتداول الذي تحوي كل صفحة من صفحاته سبعة عشر سطرا تبدأ بآية وتنتهي بآية، أما معظم المصاحف المنتشرة فإن كل صفحة من صفحاتها تبدأ بآية وتنتهي بآية أيضا ولكنها تضم خمسة عشر سطرا فقط، وقد كتبته بخط النسخ وكان لي أيضا شرف كتابة المصحف الرابع بخط النسخ، وكتبت أسماء السور بخط الثلث، وتمَّت إحاطة كل صفحة من صفحاته بزخرفة التوريق التي تعود إلى مدارس الزخرفة العثمانية وهناك مصحفان جاهزان للطباعة.
كما كتبت في الاردن مصحفا باسم المغفور له الملك الحسين بن طلال بخط المحقق المملوكي، الذي لم يكتب منذ أكثر من 800 عام، على أسلوب الخطاط أحمد السهروردي أحد الخطاطين القدماء، وقد جعلت زخرفته بالذهب الخالص عيار (24) ويقع في (1080) صفحة.

*ـ وما هي أهم الأعمال التي أنجزتها أيضاً؟
قمت بالتدريس لمدة 25 سنة وتخريج عشرات الطلاب والأساتذة الذين يدرّسون الخط في بلاد الخليج العربي وخلال وجودي في معهد الفنون التطبيقية بدمشق كمدرِّس للخط ورئيس لقسم الخط أوجدت طرقاً لتدريس الخط العربي وقد جعلت تدريس الخط تشريحاً، أما التجريد ففي التكوينات الخطية والارتجالية في تنفيذ اللوحات.
كما قمت بتأليف بعض الكتب لتعليم الخط للأجانب، صدرت عن – مؤسسة اقرأ العالمية- شيكاغو. فضلا عن تأليف أمشقاً (خط المشق) لمؤسسة السباعي التعليمية – دمشق وكتبت العشرات من عناوين الكتب وعدداً من دواوين الشعر.