ضريح الشاعر الحي درويش يدخن سيجارته الأخيرة في متحفه

وسام هاشم

يعاب، في الغالب، على الحياة أن يكون الموت تكريماً للكاتب والشاعر، العربي خاصة، أكثر منه في حياته، وغالباً لن يعنيه أمر التكريم هذا بل يعنينا نحن الأحياء.
لم يحدث أن دخلت متحفاً أو ضريحاً لشاعر أو أديب أو فنان عربي بهذا البهاء وتلك المساحة الكبيرة [٩٠٠٠ متر مربع] تطل على رام الله والقدس من جهتين مختلفتين.

الصمت والسجائر الممنوعة

وأنا اصعد السلالم التي توزعت لتشكل تصميم المتحف الضريح الخارجي بما يشبه القارب، قلت لنفسي كيف سأكتب هذا؟ مقالاً عابراً؟ رثاءً متأخراً؟ انبهاراً ربما؟
لكنني تماسكت وقلت لصاحبي فوق هذه السلالم؛ ادخل قبرك بقدمك اليمنى وقل سلاماً لروحك يادرويش..
لكنه دخل بقدمه اليسرى وبين أصابعه سيجارته الأخيرة التي لم يطفئها وبسبب يافطة صغيرة مكتوب فيها[ممنوع التدخين] أراد أن ينزل السلم عائداً لكن فضوله كان شديداً للتسكع في متحفه .
ولكي أتحاشى هياج الروح في مدفنها وأتمكن من شكل المقال أسندته إلى جدار من الحجر الذي يحب وتركته هناك وصعدت وحدي،
آه ياوحدي، كما كان يصرخ في زعتره ..
من الحجر إلى الحجر، كما يقال، يبدو لنا المتحف، متحف درويش وحدائق ضريحه تخلص إلى يقين أن هذا المكان هو ما ينبغي أن يكون عليه تماماً،
حجر فلسطيني يتسلق حجراً فلسطينياً، وتقاطعهما شجرات اللوز التي احبها درويش، وبركة ماء جميلة تشكل زاوية أريد لها اسم «المنبر الحر» والقليل من الصوت من شباب يرتادون الحديقة،
هل كان درويش سيحب هذا الصمت؟ سألت صديقي الشاعر فارس سباعنه المدير الجديد للمتحف وأمام حيرته اقترحت عليه تحفيز المكان كله، قاعاته وسلالمه وحديقته، بالموسيقى وقصائد درويش مغناة وبصوته أو مختارات من الموسيقى التي كان يحبها فيضج الحجر واللوز والحديقة وبركة بالحياة..

ضريح يستحم بشمس المدينة

في الأعلى، حيث يستحم المشهد بشمس رام الله يستلقي محمود درويش في آثره الذي لايزول، قبره الباقي هناك،
وديعاً راضياً مثلما أوصى أن يرفعوا عنه أجهزة الانعاش التي لا تنعش قلبه في التاسع من أوغست، راضياً مكتفياً بسنوات عمره، الممتدة بين عام ١٩٤١ و ٢٠٠٨.

قاعتان على جانبي الضريح، تحرسان الشعر من الغياب

قاعة الجليل [ فاتني أن أذكرمايحسب لصالح التسمية الرسمية / متحف محمود درويش وحديقة البروة] والبروة هذه هي مسقط رأس الشاعر هناك في الشمال العالي حيث الجليل..
الحارس الثاني على الجهة الثانية هي قاعة المتحف تحتل معظمها صوره الكثيرة وأشياؤه والزوارق بخط يده والجوائز والأوسمة التي حصل عليها والكتب المترجمة للغات أجنبية ومكتبه وكرسيه وأقلامه والبعض من تحف المنزلية الصغيرة ومرآته، أي نعم مرآته التي لطالما تأنق أمامها كل صباح وعدل من شكل ملابسه وسعاله وحزنه الذي لا يمكن للزائر الفرار منه في أي متر من مساحات القاعتين والحديقة وكل التلة،
ليس في الأمر بساطة، لكن يبدو أن كل ماكان يحيط بدرويش بسيطا وأنيقا مثل توقيعه الذي استخدمه المشرفون على المتحف ك «لوغو» أنيق وضع حتى فوق منصة ومسرح القاعة الرئيسة المجهزة بشكل جيد صوتيا ،فنيا بما يؤهلها للعروض المرئية والمسموعة منها إضافة إلى الأماسي التي مازالت تتوالى بانتظام نوعي وكمي، منذ تأسيس المتحف عام ٢٠١٢، تحسد عليه المؤسسة والتي تميل غالبا الى منطقة الحداثة والانفتاح على المشهد الأدبي الحديث عربياً وعالمياً.
نعود الى قاعة المتحف الصغيرة نسبيا الغنية واقعا على صعوبة مايمكن ان تترك حياة شاعر كثير المنافي والتجول والملل من المدن، شاعر يمكن احصاء نصف حياته منفيا وفي مقاه بعيدة وحقول أبعد.
على يسار مدخل قاعة المتحف ثمة باحة الهدايا التذكارية التي تحمل إشارة ما من درويش، فناجين قهوة، أقلام، مطبوعات، أقداح ودفاتر وأقراص موسيقية إلكترونية لقصائد بصوت الراحل ومغناة بأصوات فنانين معروفين وهواة.
تحت قاعة المتحف وفي الهواء الطلق الذي يحبه درويش ينفتح مسرح صيفي على وجه رام الله يتسع لـ ٥٠٠ متفرج لم يكتمل نصابهم حتى الآن الا في مناسبات شعرية قليلة جدا، لا عجب فشاعر يحتشد أمامه هذا العدد الكبير من محبي الشعر برام الله، بعد درويش، من الصعب العثور عليه.

المتحف في حياة المدينة

الإعلان الرسمي عن البدء بتأسيس المتحف كان بعد أقل من شهرين على وفاة الشاعر محمود درويش في مدينة رام الله بتاريخ 4/10/ 2008. وجاء في متن الإعلان «تقديراً للمكانة التي تبوأها درويش في حركة الشعر والنثر الفلسطينية والعربية والعالمية، وسعياً من أجل تعميم منجزه على أوسع نطاق، وتسليط الضوء على ما يزخر به تراثه الشعري والنثري من قيم نبيلة تتمحور حول حب الوطن وصيانة كرامة الناس واحترام العقل وتمجيد الحياة، وتعزيزاً لأفكار محمود درويش وقيمه العقلانية والتنويرية والوطنية التي عبر عنها في مواقفه العملية وفي مجمل إبداعاته……..»
وانجز تصميم وافتتاح المبنى بعد أربعة أعوام من هذا التاريخ.
أقرت اللائحة الداخلية لجائزة محمود درويش للإبداع بتاريخ 26/11/2010 وقيمتها المادية ٢٥ ألف دولار اضافة الى قيمتها المعنوية والأدبية كما جاء في مسبباتها وحيثياتها في بيان اللائحة «تُمنح الجائزة لكل مبدع فلسطيني أو عربي أو عالمي، تتوافر في نتاجه قيم الإبداع الثقافي الفنية والوطنية والإنسانية، إضافة إلى تكريس قيم العقلانية، والديمقراطية، والحرية والتنوير، التي تميّز بها إبداع محمود درويش الشعري والنثري، ويمكن منحها للمؤسسات والهيئات الثقافية الجديرة بذلك…..»
يمكنك ان تقول اليوم لأي سائق سيارة أجرة في رام الله : خذني عند محمود درويش، فيوصلك ببساطة الى التلة تلك وأمام باب المتحف دون أن يسألك: في أي اتجاه من المدينة تعني ؟
تتصدر أنشطة المتحف مع مراكز فلسطينية ثقافية أخرى كمركز خليل السكاكيني وقاعة البلدية وغيرهما الكثير، قائمة المتابعين من المهتمين بالثقافة والأدب والشعر، أسبوعيا بل يوميا ولا تقف عند النشاطات الشعرية بل تتعداها الى الفنون والسينما والدورات والورش التطويرية، بالرغم من الإقرار بضرورة الخروج الى مناطق أوسع جديدة تتيحها الحالة الفلسطينية المتحركة والفاعلة ثقافيا وفنيا لسد الفجوات في هذا الجانب من حياة المدينة الثقافية.