على الحافَّة..!

ضياف البرّاق

تحديدًا.. في مساء 10 فبراير من العام العجيب 2011، عام الغضب والتغيير، يترجّل أغلى إنسان في حياتي، يفارقني أجمل الكائنات في عالمي، ويرحل من بين أصابعي، تاركًا خلفه عبثيّة هذا الزمن الفوضويّ، أولًا.. ثم، في الوقت ذاته، يترك خلفه الكثير من الحزن يشتعل في صدري وصدر أسرتنا الطيبة. إن ذاك المشفى، الجبان جدًا، الذي مات فيه أبي كونه لم يجد فيه أي اهتمام – لم ينجُ هو الآخر من بشاعة هذه الحرب الغبيّة ومن غضبها الصاروخي. هكذا دائمًا، وعلى مدى التاريخ، لا شيءَ ينجو، عدَا اللعنات والأشياء القبيحة، من مطرقة الحروب المجردة من البصيرة والقِيَم!
فذلك المشفى الحكومي الرديء «كالوطن»، أعني المشفى الفارغ- الذي سرقَ مِنَّا حياةَ أبي، حينذاك، وبكل رغبة وأنانية، بل وسرق حياتي أيضًا، بات اليومَ يعاني قسوة الوحشة، ويتجرع نقيعَ الحزن، مثلي تمامًا. كيف أتسامح مع «مشفى» عبثي آلمني عميقًا كطعنة خنجر مسموم!
كيف أتسامح مع حظي السيء! وكيف، باختصار، أتسامح مع الذكريات الوسخة التي تتأبّى على النسيان أو الموت! آه، ليتني أملك القدرة على النسيان، أو القدرة على العيش بدون أمل أو يأس أو وطن..
أنا، فقط، وبخاصة في المرحلة الشبحيّة الراهنة، أعوِّل على العزلة، وأقوى على الصمت أو على دفْن جثثي اليومية دون الشعور بالندم..
10 فبراير، إنه يوم النكسة الكبرى بالنسبة إلى حياتي الملأى بالجروح النفسية والتناقضات الراعبة. إنه لأسوأ يوم في تاريخي الشخصي كله!
أبي، رجلٌ «بروليتاري» طيب وبسيط حد التصوف، فكاهي أينما ذهب، حميم مع الجميع.. إنه عصاميّ مكافح حتى آخر يوم في حياته. لقد عاش إنسانًا ومات إنسانًا، وهذا يكفي لكي أحبه بعمق وإخلاص. ثمة معلومة هنا، من ناحية أخرى، وهي جديرة بالذكر، فقد كان أبي ينحاز للعقل والتسامح، دومًا، وهذه في نظري سِمة فريدة حقًا، إذ لا يمتلكها سوى قلة من الناس. فالذي لا ينحاز إلى العقل والتسامح، يعيش حياة صعبة، أو فاشلة، حياة مخنوقة بالتعاسة على الدوام. كمْ نحن اليوم في حاجة ماسّة إلى أن ننحاز إلى العقل والتسامح في أمور حياتنا، بل في مختلف جوانبها وهمومها، كذلك.
يصادف اليوم، 10 فبراير، الأحد، ذكرى رحيلك المُرّ، هذا الرحيل الذي ما زال يعذّبني كخرافة سوداء… إنها الذكرى الثامنة بالتأكيد!
أحيانًا، هناك ذكرى ما، تكون جديرة بالذِكر اليومي أو الاحتفاء الكبير. لكن، يبدو لي، في أحيان كثيرة، أن كل الأشياء الفانية أو السيئة، لا تستحق الذِكر، ولا الاهتمام. وحده المستقبل، نَعمْ المستقبل، هو الذي يستحق ذلك.
يا أبتِ، أنا بخير جدًا، لستُ حزينًا أبدًا، الوطن أيضًا بخير، غير أن الحربَ تحاصرني دونما انقطاع، تحاصرُ علاقاتي، أفكاري، أشيائي، تحاصر حريّتي الطالعة، تحاصرك حتى وأنت في قبرك. ليتك لمْ ترحل مبكرًا، ليتك الآن إلى جانبي، تشاركني مكافحة هذه الكارثة «الجميلة!»، تمازحني بأسلوبك الفلسفي اللذيذ، أضحك أنا، فتضحك معي، حتى يتلاشى وجعي بين نبضاتك البِيْض، وتزهر الحياة من حولنا… حقًا، ها أنت تطربني بهمسات روحك النقيّ، تقاسمني سيجارتي المغشوشة، تبكي معي، أبكي معك، تأخذني بحماسك الثوري بعيدًا عن ضياعي الوراثي، وتدفعني بحكمتك نحو الأمل الرزين، رغم غيابك الذي لا يطاق.
مساء الخير للأرض، للإنسان، للمحبة، للسلام، لقبرك الحزين كقلبي هذا.. ها أنا ذا أكتب بخشوع طفولي، أكتب إليك، لا بالحبر ولا بالرماد، إنما بأنين دمي الهائج بفعل حرارة هذا الحنين العابث.. هكذا أعانقك وتعانقني، أحكي لك قصتي العاطفية التي فشلت فيها منذ آهات قريبة، أحكي لك عن الموت المحافظ حد الوقار، عن مستقبلي الفكاهي الميّت، عن خربشاتي في الحلم والشعر، وأشكو ذاتي التعِسَة إليك، لعلك تساعدني أو تنقذني منها.. نلعن الغيابَ معًا، وحين لا أجدك بالقرب منّي، يخنقني اليأسُ الرجيم، فألعنُ حظي فورًا، ثم أذرفُ الدمعات الحارّة بيني وبينك، وأفقد وعيي إلى حين لا أدري.
أبتِ، أيها الحاضر كالحب في كل زمان ومكان، في السِلم والحرب، في كل مساماتي، في كل تفاصيل الوطن، البيت، الطرقات، وفي كل أوراق الضوء والشجر.. بي شوق إليك، وبي حسرة بحجم الهزيمة!
بالمناسبة: إنني لسعيدٌ جدًا، إذ ليس من شيء تغيّر بعد رحيلك: الفِكر هو هو، البؤس هو هو، الأشباح هم هم، الخطابات هي هي، والحرب هي هي.. حتى أنا لم أتغيّر. أخيرًا، يا رفيقي الحبيب، ها هي الإنسانية تُذبح من الوريد إلى الوريد، الرؤوس تتعفَّن أو تشيب، الأحلام تذوي وتذوي، البلاد بلا بلاد، والنزيف كل يومٍ أخضر..