علي الشوك.. انسكلوبيديا المعارف

عواد ناصر

وضعني علي الشوك، مبكراً، أمام حيرة مبكرة وأنا اقتني كتابه «الأطروحة الفنطازية» وأنا شاب مراهق في مقتبل القراءة وقلقها، فاسم المؤلف ليس غريباً علي لأنني تعرفت عليه (على الإسم لا الشخص) واحداً من لجنة تأليف كتاب الرياضيات كمنهج حكومي معتمد، في المدرسة العراقية، وتساءلت، من دون أن اسأل أحداً: هل هو الشخصية نفسها المتخصص بالرياضيات والباحث في الفن والأدب؟
من فضائل المنفى أن ألتقي الأستاذ علي، لأن الوطن متسع وصاخب بينما المنفى ضيق وأقل صخباً، لكن اللقاءات كانت متباعدة بسبب ميل «أبو زينب» إلى العزلة وهو ميل قابله خجلي وخشيتي من الاقتراب إلى الشخصيات التي أستشعرها بعيدة عن متناول فكرتي الثقافية التي تكاد تهتم بالشعر اكثر من غيره، فتعزز لدي الشعور بالتباعد وتجنب التماس المباشر مع النجوم، عدا شعوري الشخصي بأن أكثر النجوم العرب يتعاملون مع من يقترب منهم، ممن لا يعرفونه من قبل، على أنه «معجب» لا أكثر، وهذا ما حدث لي مع شيخي محمد مهدي الجواهري الذي تجنبت الاقتراب منه في الشام، رغم أن بيتي لا يبعد عن بيته سوى ربع الساعة مشياً، حتى اليوم الذي طلبني فيه ليملي عليّ قصيدته الجديدة.
لكن علي الشوك كان إنساناً على غاية البساطة والرقة، ولَم يكن يتوانى عن الاتصال بي تلفونياً ليبدي إعجابه بقصيدة لي أو ملاحظة على نص ما نشرته، فكان، حقاً، شخصية مبادرة حتى أكثر مني خلال معرفتي به.
يمثل علي الشوك، بين ما يمثله، لي على الأقل، ليس علامة فارقة في الحداثة العربية، حسب، بل ترسيخ فكرتي بشأن تقابل الفنون وتجاورها وتغذيتها بعضها للبعض الآخر، مع ضرورة الحذر النقدي عند تبسيط الظاهرة الذي يسلب كل فن استقلاليته وهويته وتفرده وتميزه عن الفن الآخر، مهما بدا شديد التفاعل معه واستعارة بعض من أريحيته.
يذكر الراحل في كتابه «الكتابة والحياة» ما يؤكد ذلك التفاعل، بل يذهب أبعد من هذا بكثير إذ «حين تحررت من كابوس الهندسة المعمارية والهندسة المدنية، وأية هندسة أخرى، وانتميت إلى الرياضيات، صرت أحل المعادلات الرياضية على أنغام موسيقى «آلام القديس ماثيو – لباخ».
يمكن لكتابه (الكتابة والحياة) أن يمثل بروشوراً ودليلاً ثقافياً لحياته الشخصية والمعرفية بما ينطوي عليه من صدق فكري وإبداعي وحرية داخلية يفتقدها الكثير من الكتاب العرب والعراقيين الذين «نذروا» كتاباتهم لـ «السرديات الضخمة» جاعلين من إنسانيتهم، بكل ما تزخر به من نقاط قوة وضعف ودراما ذاتية يتصارع فيها العام والخاص، في هوامش النص وليس في متنه!
هو يتحدث عن بيركلي، المدينة الأمريكية التي أقام فيها دارساً، كما يتحدث عن لذة مسقط الرأس.. بل لذة أجمل النساء وأحبهن إلى قلبه، من دون أن يخشى اتهامه برومانسية فاقعة تتعارض مع وطنيته، وهو المثقف الماركسي الذي ذاق ما ذاق في سجن «قصر النهاية» البغدادي، حيث «كسر» البعثيون قلبه كما كسروا قلم عبدالجبار عبدالله الذي أهداه له ألبرت آينشتاين!
يقول: «أكتب عن تلك المدينة الأمريكية، الآن، وأنا أبكي».
لنتخيل علي الشوك وهو يبكي عدنه المضاع.
في بيركلي تلك كانت أول محاولاته في الكتابة.
أية قسوة يتعرض لها أرق الناس وأكثرهم إبداعاً!
ليست الفنون، حسب، تتجاور وتتفاعل وتتحاور، بل العلم والفن أيضاً، ولأن الفيزياء نوعاً من الفلسفة، فهذا عالم فيزياوي يعترف: «شاهدت الله في الحلم. وقال لي: ألا تذكرني؟ تلقيت على يديك درساً في ميكانيك الكم».
ونحن نعلم، أو لا نعلم، إن أخطر مخترعات الحداثة وابتكارات الفنون، وأكثرها تأثيراً، بدأت أحلاماً.
أمثال علي الشوك لا يموتون لأنهم تركوا لنا إرثاً معرفياً خالداً.