علي الشوك: رحيل آخر أدباء جيل الكبار

أحمد إبراهيم

كلما تلقيت نبأً فاجعاً برحيل صديق عزيز أجدني متحيرا أمام حالين، إما الصمت ومتابعة المصاب برجفة القلب دون انفصال عنه، أو قول شيء كتابة أو مشافهة، وفي كلا الحالين أنا في ذلك العجز الإنساني المريع أمام أقسى حقيقة في الوجود وأمرها: الموت! هذا ما اعتراني قبل ساعات وأنا أطالع نبأ رحيل علي الشوك.قررت أن أكتب مقالا قصيرا عنه مؤملا نفسي أن أكتب أكثر حين نهدأ ويستقر الحزن ويصفو بعد هطوله السريع.
لم أكن رأيت علي الشوك في العراق إلا قليلا، بمرور سريع عابر على مقر اتحاد الأدباء ، أو مقهى البرازيلية. بعد اعتقاله إثر انقلاب شباط الدموي عام 1963 وتعرضه للتعذيب وقضائه ما يقرب عامين في السجن ولشعوره إنه عاش تجربة فاشلة مريرة له في العمل السياسي اعتكف على حيز ضيق من العلاقات والصداقات. اقتصرت كما عرفت منه فيما بعد على نخبة من المثقفين فيهم مدرسون وموظفون كبار وتربويون حيث يعمل الشوك مدرسا للرياضيات في إحدى ثانويات بغداد. خاصة أولئك الذين صدموا أو منوا بالخيبة في نضالهم كشيوعيين أو يساريين وديمقراطيين أو لبراليين ثم التفتوا لشؤونهم الخاصة وأفلحوا في تكوين حياة مرفهة آمنة ناعمة تشغلها جوانب منتقاة من الثقافة كالموسيقى العالمية والأفلام واللوحات الفنية وتزخر بالمآدب والجلسات في بيوت فخمة راقية ورحلات إلى المواقع الآثارية والسياحية بسياراتهم الخاصة. (يظهر ملمح من هذا في روايته السراب الأحمر). كان علي الشوك قد عرف ليس فقط في كونه من مؤسسي ومحرري مجلة المثقف، ومن المنشغلين بإعادة بناء اتحاد الأدباء بعد أن خربه الانقلابيون ونكلوا بأعضائه البارزين بل في تأليفه لكتاب بعنوان (الأطروحة الفنطازية) جميع فيه بين قضايا الإبداع والمعادلات الرياضية والتي كان ضليعا بها وقد درسها في الجامعة الأمريكية في بيروت . كان قد صار يعول على الثقافة في تغيير الواقع أكثر من السياسة والسياسيين كما فهمت منه، ومن بين أصدقائه المثقفين الكثيرين ظل الروائي فؤاد التكرلي صديقه الحميم الأثير! ورغم انسجامهما في الذائقة والتفكير وميلهما معا لليسار: لكن التكرلي كان أقرب من الشوك للجو الشعبي وشؤون الناس البسطاء والمهمشين والمنبوذين، والاستغراق في معاناتهم وتفاصيل حياتهم القاسية والخشنة ليصوغها في قصصه القصيرة ورواياته! وبالطبع هذا لا يعني أن على الشوك يدير ظهره عن هموم الفقراء ومصائرهم، لقد بقي رغم صدمته السياسية منتميا لمشروع العمل من أجل العدالة الإنسانية ولكن وفق رؤية أخرى غير الرؤية التقليدية للحزب الشيوعي الذي كان عضوا متقدما فيه. وما اختياره المنفى رغم المغريات التي قدمت له في بغداد من السلطة أو مثقفيها إلا امتثالا لموقفه في كره الظلم والدكتاتورية وانحيازه للمضطهدين والمسحوقين!
التقيت بعلي الشوك في بودابست صيف 1986،وقد تطورت علاقاتنا بمرور الأيام إلى صداقة وود، أزوره في شقته الصغيرة في جهة بودا ويزورني في شقتنا في جهة بشت ثم خصصنا يوم الثلاثاء من كل أسبوع للقاء طويل في إحدى مقاهي منطقة بودا الجميلة والقريبة من ساحة موسكو. كان لقاؤنا يمتد لساعات طويلة نتحدث في الثقافة وفي الأدب والرواية خاصة. في تلك اللقاءات كان يعطيني فصولا من روايته «الأوبرا والكلب» لقراءتها وإبداء رأيي بها قبل مواصلته كتابة الفصول اللاحقة.وكنت أنا أعطيه قصصي القصيرة وفصلا من رواية أو مخطط لعمل آخر ، كنت استفيد من ملاحظاته، ولا آخذ ببعضها أيضا.إذ وجدت ثمة اختلافا بيننا في اختيار الموضوع الروائي فعلي الشوك يفضل أو يقارب كتابيا، أجواء الشخصيات المترفة والمثقفة جدا في حياتهم المرفهة والمسترخية . ويبدو شغوفا وعارفا بها في أحيان كثيرة! أعطاني الشوك حوارية متخيلة تدور أحداثها في قصر الزهور الملكي في بغداد ، وقد ابرز فيها شخصية الوصي بشكل مثير وشيق،وقد أعجبتني، أكثر من رواية الأوبرا والكلب، وسألته لماذا لا تنشرها؟ إنها كاملة وجاهزة للطبع! رد بما أدهشني؛ قال: لقد قرأها فؤاد التكرلي ونصحني بعدم نشرها ، كان للتكرلي رغم فراقه الطويل له سطوة إبداعية عليه ،في مجال الرواية . وبعد رحيل التكرلي صار علي ينشر الرواية تلو الأخرى لكنه لم ينشر تلك الحوارية! تواصلت لقاءاتنا إلى ما يقرب من خمس سنوات في بودابست حتى انتقالي إلى السويد ثم تواصلت الرسائل والمكالمات التلفونية بيننا وتبادلنا الرأي والنصيحة في ما نكتب أو ننشر. كان آخر لقاء لي به في لندن قبل سنوات عديدة ، وقبل عامين تقريبا أرسل لي رزمة من معظم رواياته وطلب رأيي بها. قرأتها بإمعان وشجن ، لكنني لم أشأ أن أكتب له، كنت متألما جدا أنها في معظمها تقتضي منه جهدا أكبر لإعادة كتابتها،وهذا ما لم يستطعه وقد تقدم في العمر كثيرا، عدم كتابتي له عنها صار يؤلمني أكثر الآن! ثمة أمور في الإبداع والمبدعين تبدو جارحة أو صادمة : إذا قيلت في رسالة مهما طالت أو في مكالمة هاتفية: كان انطباعي الرئيسي عن الشوك أنه مثقف كبير متنوع المعارف والاهتمامات، وإنه مثال متميز من جيل المثقفين العراقيين الذين خاضوا معترك النضال في الحياة السياسية والثقافة في النصف الثاني من القرن العشرين وقد حمل في جوانحه وذهنه كل ومضاتها الباهرة وجروحها الغائرة الموجعة، ونقاط قوتها وضعفها، فالمثقف والمبدع خاصة مهما شط به المزار يظل يحمل الكثير من سمات مجتمعه ونزعات تراثه ونشأته وتكوينه الأخلاقي والسياسي. لقد توزعت اهتمامات علي الشوك حد التشتت بين بحوث في اللغة والتاريخ والقضايا العلمية والاستغراق في تأملات واستقصاءات عن الموسيقى والأوبرا ثم الرواية التي كتب فيها في سنواته الأخيرة العديد منها. روايته(الأوبرا والكلب) أرادها بحثا في تاريخ الموسيقى وتطور موضوعاته، وقد كلفته وقتا طويلا ورحلات إلى بعض دور الأوبرا في عواصم أوربية! لدى الشوك خزين هائل من معلومات وخبرات وذكريات ومعايشات مع شخصيات كثيرة في الحياة السياسية والحركة الوطنية العراقية !كنت دائما أتمنى عليه أن يكتب عنها لكنه كثيرا ما يسرح بعينيه في الأفق وقد اكتسي وجهه بالحزن أو باللامبالاة أحياناً.
في عنوان رواية أو بداية فصل فيها يلوح لأول وهلة أن الشوك قد تناول إحدى تجاربه في السياسة أو الحياة العامة في عمل روائي ، لكن ما أن تمضي في قراءة الرواية حتى تجده قد انعطف بها نحو قضايا أخرى لا تبدو مقنعة كثيرا خاصة حين تأتي مثقلة بتفصيلات جنسية لا ضرورة فنية لها. و قد برز هذا في روايته ( السراب الأحمر) التي أوحى عنوانها بشيء واتجه مضمونها لشيء آخر . لكن كل هذا لا ينتقص من تجربة وعطاء هذا المبدع والإنسان المفكر الكبير الذي لا يمكن تحديد ملامح نهجه بعجالة بل بدراسة معمقة متأنية طويلة لم ينلها في حياته الطويلة وقد امتدت لما يقارب التسعين عاما،والتي بقدر ما سعى لملئها بالفرح والعطاء الإبداعي الجميل طفحت بالكثير من الآلام والأحزان!