عمّان …ما تبقى منهم

نجم والي

المرة الأولى التي زرت فيها عمّان، كانت عام 1992، آنذاك لم يكن بإمكاني دخول العراق، أو لنقل كان من الممكن دخول البلاد، لكن لا ضمانات من البقاء حياً بعد عبور الحدود، فأن تعيش معارضاً لنظام بعثي ولديكتاتور سجل البلاد كلها على اسمه، وأن تعيش في المنفى وتكتب في الصحافة العربية (جريدة الحياة بالذات) الأعمدة والمقالات ضد النظام، لكي لا نتحدث عن نشر روايات ضد حرب كانت خطاً، بالنسبة للنظام خطاً أحمر (أنت تسميها الحرب في حي الطرب وهو يسمّيها قادسية عبد الباري عطوان)، فإن كل ذلك يعني، أن من الأفضل لك، أن تبقى في منفاك، ولا تغامر وتقترب من حدود البلاد التي وُلدت فيها وترعرعت.
حتى ذلك العام كان خروج العراقيين أمراً خارج الأعراف، الحصول على جواز سفر ترف، ولكي لا نلحق كل شيء بالنظام البعثي والديكتاتورية، كان العراقيون أصلاً غير ميالين للسفر خارج البلاد، أظن أنه تقليد قديم، كان أجدادنا البابليون يطلقون على كل ما هو خارج الأسوار بالجنة، وكأنهم في قولهم هذا فضلوا العيش في الداخل الجحيم. وأظن أن مقطع قصيدة السياب «حتى الظلام في بلادي أجمل»، هو توضيح بسيط لعشق العراقيين للجحيم، للعذاب، لا ننسى أن السياب كتب ذلك المقطع وهو في الكويت، على بعد 60 كيلومتراً من البصرة، في بلدة كانت أرضها صبخاء، بيوتها من طين، وناسها كانوا يلبسون النعل والدشاديش، ترى ماذا كان سيكتب لو عاش في النرويج أو كندا والسويد؟
بعد فرض الحصار على العراق، وبعد هزيمة جيش صدام حسين في الكويت، وانهيار الدينار العراقي، فتح النظام أبوابه لخروج العراقيين، وكان الخروج العظيم. كانت عمان تعج بالعراقيين القادمين من الجحيم، وكانت بالنسبة لنا نحن المنفيين فرصة أيضاً للقاء الأهل والأحبة بعد سنوات من الغياب.
وكما فعل الآلاف من العراقيين اخترت أيضاً أنا عمان للقاء أهلي، اثنتا عشرة سنة كانت قد مرت على وداعنا الأخير، عندما التقيت بهم للمرة الأولى في ربيع 1992، زيارة تحولت إلى تقليد. كل عام كنت أزور العاصمة الأردنية استأجر شقة في الشميساني أو في الويبدة أو …. أقضي الإجازة مع أهلي. كان ذلك ديدني كل صيف حتى عام 1999، آخر زيارة لي.
كم صدق أجدادنا الأوائل إذن، البابليون، الجنة خارج الأسوار. عمان كانت جنة العراقيين آنذاك، رغم أنها مقارنة بشروط الجنة البسيطة لا تحمل من مواصفاتها ولو النزر البسيط. لكننا نعرف، أن كل شيء نسبي. وعندما تتحول البلاد كلها إلى خراب، إلى سجن كبير، يصبح كل متنفس خارجها الفردوس.
عشرون عاماً مرت على زيارتي الأخيرة لها، وكما يُقال جرت مياه كثيرة، وإذا طبقنا المثل على العراق، نقول، جرت حروب كثيرة ومصائب لا تُحصى ولا تُعد. وها أنا أزور العاصمة الأردنية بعد طول انقطاع، هذه المرة ليس بصفتها الفردوس، بل لأنها المكان الذي انعقد فيه المؤتمر الخاص بتدريس اللغة الالمانية والأدب الألماني الذي نظمته الجامعة الألمانية الأردنية في مأدبا، والذي دُعيت للمشاركة فيه بصفتي أحد 100 أستاذ وأستاذة يعملون في هذا المجال في جامعات ألمانية في كل العالم.
أن تكون العاصمة الأردنية تبدلت فهو أمر مفهوم، لكن أن يكون العثور على العراقيين أمراً نادراً، هم الذين كانت المدينة تعجّ بهم، فهو أمر جديد. اليوم حلّ محلهم السوريون. والأردنيون، ماذا يقولون؟ اليوم يترحَّمون على العراقيين بعد أن لعنوهم في الماضي. من يصعد التاكسي أو يبيت في فندق يسمع مديح للعراقيين. «العراقيون هم الذين حرّكوا السوق عندنا»، يقول الأردنيون، «على عكس القادمين الجدد، يقولون: «هؤلاء يأخذون منا العمل والسوق». لكن أليس هذا هو ما كانوا يقولونه عن العراقيين أيضاً أيام زمان؟ أتذكر حتى الصحافة الأردنية آنذاك، حينما كانت تنشر خبراً عن جريمة أو عملية سطو ارتكبها شخص ما، تلحق به كلمة عراقي، إذا كان المشتبه به عراقياً، لكن لا تلحق به كلمة أردني إذا كان أردنياً. اليوم يترحَّمون على العراقيين. أمر حسن، قلت لنفسي، فمن يترحَّم في العالم على العراقيين؟
العراقيون لم يعودوا هناك، وهناك من يفتقدهم، لست أنا الوحيد، لم يعد هناك ما يُذكِّر بهم في تلك المدينة التي أطلق عليها البعض ذات يوم «العاصمة الثانية للعراقيين»، حتى المقهى التي كانت مكة كل عراقي جديد قادم من بغداد والتي اعتلت مطعم هاشم المعروف وسط العاصمة لم تعد هناك، لكي لا أتحدث عن مطاعم أخرى ومقاهي وحانات…. الذكرى جرس يدق في وادي النسيان، عند كل منعطف أو ساحة أو زقاق … كأنَّ أصواتهم ما تزال هناك عالقة في الهواء، وحده الصدى يصرخ في المكان:
عراقيون مروا من هنا ذات يوم… كل واحد منهم له قصة.. تُرى ما الذي حلّ بهم… ترى ما الذي حلّ بكل تلك القصص بعد كل هذه السنين؟