عن اسطورة موسيقى الراجا الهندية

اعداد وترجمة : حربي محسن عبدالله

للموسيقى في الهند تاريخ يمتد ثلاثة آلاف عام في أقل تقدير؛ فالترانيم الفيدية- مثلها مثل الشعر الهندي كله- إنما نظمت لتنشد؛ ولم يكن في الطقوس القديمة فرق بين الشعر والغناء، والموسيقى والرقص، فالكل لديها بمثابة فن واحد. فقد كان الرقص الهندي خلال الشطر الأعظم من التاريخ الهندي، لوناً من ألوان العبادة، وعرضاً لجمال الحركة والإيقاع تكريماً وإجلالاً للآلهة؛ ولم يحدث لراقصات المعبد أن يغادرن معابدهن زرافات ليمتعن أصحاب الدنيا وطلاب الشهوة الجسدية إلا في العصور الحديثة. لم تكن تلك الراقصات مجرد عارضات للجسد، بل كانت في وجه من وجوهها محاكاة للكون في دورانه ومجرى التغيّر في ظواهره، وقد كان «شيفا» نفسه إله الرقص، ورقصة «شيفا» كانت ترمز لحركة العالم نفسها. وينتمي الموسيقيون والمنشدون والراقصون –كسائر أصحاب الفن في الهند- إلى أدنى الطبقات؛ فقد يحلو للبرهمي أن يغني في خلوته، وأن يسرّي عن نفسه بنغمات يعزفها على آلة « الفينا» أو غيرها من الآلات الوترية؛ بل قد يعلّم غيره التمثيل او الغناء أو الرقص، لكنه يستحيل أن يفكر في التمثيل كعمل مأجور، أو عبر النفخ في آلة موسيقية، وكانت الحفلات الموسيقية العلنية – إلى عهد قريب – نادرة في الهند فكانت الموسيقى إما غناءً تلقائياً أو نشيداً جمعياً يقوم به الناس، وإما عزفاً أمام جماعات صغيرة في بيوت علية القوم، كما هي فيما يعرف في أوروبا بموسيقى الحجرات؛ وكان «أكبر»- الذي كان هو نفسه ماهراً في العزف الموسيقي- عدد كبير من الموسيقيين في بلاطه، وأصاب أحد مُغنيه- واسمه تانسين شهرة وثروة. ولم يكن ثمة هواة بل كان كل المشتغلين بالعزف محترفين لفنهم، ولم تكن الموسيقى تُعلّم على أنها لون من التهذيب الاجتماعي، ولم يرغم الأطفال على عزف بيتهوفن، بل أن يتعلموا الإنصات جيداً. ذلك لأن الاستماع للموسيقى في الهند فن بذاته ويتطلب تدريباً طويلاً للأذن والروح؛ وقد لا تكون الألفاظ نفسها مفهومة المعنى لغير الهنود أكثر من ألفاظ المسرحيات الغنائية التي يشعر أن من واجبه الذي تمليه عليه طبقته الاجتماعية، أن يستمتع بها، وهي تدور – كشأنها في سائر أنحاء العالم- حول موضوعي الدين والحب؛ لكن الألفاظ قليلة الأهمية في الموسيقى الهندية، وكثيراً ما يستبدل بها المنشد-كما يفعل الأديب في أرقى ألوان الأدب- مقاطع لاتعني شيئاً؛ «كما يؤكد ويل ديورانت في قصة الحضارة». والسلًم الموسيقي لدى الهنود مؤلف من اثنين وعشرين من « أرباع النغمات» وعلى الرغم من أن الموسيقى الهندية يمكن كتابتها بترقيم مأخوذ من الأحرف السنسكريتية إلا أنه على الأغلب لا تُكتب ولا تُقرأ، بل تنقل من جيل إلى جيل أو من المنشأ الموسيقي إلى من يأخذ عنه «بالأذن» وحدها. وليست موسيقاهم مقسّمة إلى إيقاعات تفصل بينها ضربات، بل ترى النغم فيها ينساب انسياباً متصلا يؤذي أذن السامع الذي تعوّد سماع ضربات دورية في الموسيقى وليس لموسيقاهم إيقاع ولا تناغم بل كل ما تُعنى به هو النغم الواحد وربما جعلوا وراءه بطانة من نغمات صغيرة ولذا كانت في هذه الناحية أبسط وأقل في رقيها من الموسيقى الأوروبية، ولو إنها كانت أكثر منها تركيباً في السلّم والدورات الإيقاعية، وأنغامها محدودة في آن واحد. فهي من جهة مضطرة اضطراراً أن تستمد من هذا اللون أو ذلك في معين تقليدي قوامه ستة وثلاثون لوناً، لكن العازفين- في الوقت نفسه- يستطيعون أن ينسجوا هذا الهيكل التقليدي نسيجاً لا نهاية لخيوطه ولا صلات تصل أجزاءه المنوعة تنوعاً شديداً، وفي كل موضوع موسيقي- أو «راجا» كما يسمونه- خمس نغمات او ست أو سبع، يرجع الموسيقي إلى إحداها- يختارها ولا يغيرها- من حين إلى آخر؛ ولكل «راجا» اسم مشتق من الحالة النفسية التي تريد الإيحاء بها- الفجر، الربيع، جمال المساء، السُكر الخ.. وكل «راجا» مرتبطة بزمن معين من اليوم أو العام وتذهب الأساطير الهندية إلى أن لهذه الراجات قوة روحانية حتى ليقال إن راقصة بنغالية أزالت قحطاً بغنائها إحدى الراجات وهي المسماة «منع مالار»-أي نغمة استنزال المطر. وقد خلع الأسلاف على «الراجات « صبغة مقدسة فمن يعزفها يتوجب عليه أن يُراعي حرماتها لأنها صور من الغناء أداها» الإله «شيفا» نفسه، ويحكى أن عازفاً اسمه «نارادا» أنشد تلك الراجات في اهمال لشأنها، فزج به الإله « فشنو» في الجحيم حيث شاهد رجالاً ونساءً يبكون على ما أصاب جوارحهم وقال الإله إن هؤلاء الرجال والنساء هم الراجات التي شوهها ومزقها عزفه المستهتر فلما شاهد « نارادا» ذلك –هكذا تروي الأسطورة- حاول أن يكون في فنه أكثر اتقاناً إذ أخذته بعدئذ خشية الخاشع. العازف الهندي لا يلتزم «الراجا» التي اختارها لبرنامجه الموسيقي التزاماً يضيّق من حريته تضييقاً خطيراً، أكثر مما يلتزم المؤلف الموسيقي في الغرب. إذا ما أنشأ «سوناتا» أو «سمفونية «، موضوعه الموسيقي التزاما يعرقله؛ ففي كلتا الحالتين، ما يفقده العازف من حرية، يعوضه بما يتاح له من تماسك البناء واتزان الصورة؛ فالموسيقي الهندي شبيه بالفيلسوف الهندي، كلاهما يبدأ بالجزئي المحدود « ويرسل روحه إلى اللامحدود»؛ إنه يظل يمعن في وَشْي موضوعه وشياً دقيق الأجزاء، حتى يتمكن في نهاية الأمر بفعل تيار متموج من دورات الإيقاع وتكرار النغمة، بل بفعل اطراد الأنغام اطرادا رتيباً، أن يخلق نوعا من «اليوغا» الموسيقية، أي ضراً من الذهول الذي يشلّ الإرادة ويطمس الفردية اللتين ننسبهما للمادة والمكان والزمان، وبهذا ترتفع الروح إلى ما يوشك أن يكون اتحادا صوفياً بشيء « عميق الاتصال في نفوسنا بجذوره « عميق الاتصال في نفوسنا بجذوره أو بكائن عميق عظيم ساكن، أو بحقيقة سابقة لهذا العالم ومنبثّة في كل أجزائه، تبتسم ساخرة من الإرادات المكافحة كافة ومن التغير والموت بشتى ما لهما من صور. والأرجح أننا لن نستسيغ الموسيقى الهندية، ولن نفهمها، إلا إذا استبدلنا بالكفاح كينونة ساكنة، وبالترقي ثباتاً وبالشهوة استسلاما وبالحركة استقراراً، وربما اصطنعنا لأنفسنا هذه الحالة.