عن الأمن الثقافي أيضاً ..

شوقي عبد الأمير 

كنتُ في العدد السابق أطلقتُ نداءً من أجل
الأمن الثقافي وكانت ـــ على ماأعتقد ـ المرّة الأولى التي يتم فيها التطرق الى هذا المفهوم.
تلقّيتُ الكثير من ردود الأفعال والتأكيدات على أهمية ذلك حتى أن بعض المثقفين والمختصين بادارة المؤسسات الثقافية والفكرية خارج العراق قد اقترحوا فكرة عمل ندوة أو طاولة مستديرة لبحث كيفية تعميق وتطوير المبادرة وايجاد آليّات للتواصل ..
لايسعني الاّ أن أعبر عن سروري واهتمامي البالغ بمدّ الجسور مع الأشقّاء العرب المعنيين بالأمر خاصة وأن مفهوم الأمن الثقافي بالضرورة يتجاوز القطريّة والحدود السياسيّة للدول العربيّة الى ماهو عام ومشترك قومياً ..
إن أمننا الثقافي يجب أن يكون أولى الاسبقيّات التي تواجه نشاطنا وحياتنا بشكل عام ذلك لأننا عرفنا ــــ وبالتجربة الدامية ـــ أن مآسينا التي نكابدُ تعود أسبابُها العميقة الى الفقر الثقافي والابتعاد عن ينابيع المعرفة الانسانيّة والفكر وغياب الحياة الثقافية الحقيقية تلك التي نتعرف عليها عندما نترك الدول العربيّة الى دول العالم المتحضّر سواءً في الغرب أو الشرق .
تتوزع خارطة الفقر الثقافي هذا على أكثر من ميدان مثل عدم اهتمام البرامج التربويّة في اغلب الدول العربيّة بالشأن الفكري و الفلسفي والابداعي و الفنيّ، اذا ماقارنّا ذلك مع الدول المتحضّرة، إن عدم اهتمام مناهجنا التربوية بالفن والموسيقى والشعر والأدب والفكر والفلسفة يشكل نقصاً حاداً في تكامل الدور التربوي للأجيال.
إن الفكر والابداع عنصران أساسيّان في بناء عقول الاجيال وتوسيع مداركها لكننا للأسف نعتبرها شأناً غير ضروري ونكتفي فقط بالمناهج التعليميّة الاساسية كاللغة والجغرافية والرياضيات والفيزياء… الخ وهي مهمة جداً لكنها لاتكفي لوحدها – هذا إذا اتفقنا أن دراستها تتم على وجه صحيح وأن والتعليم يتحقق وفق نظام تربوي متقدم – لكنني، وللاسف، أعتقد أنه حتى هذه المواد لاتصل الى الاجيال بشكل صحيح لاسباب عديدة لامجال لذكرها الآن..
هذا من ناحية كما أن خارطة الفقر الثقافي لاتحدد بالمناهج وحسب بل تتجاوز ذلك الى عملية نشر المعرفة والاهتمام بمد جسور التواصل بين مُنتجي الابداع والفنون والفكر وبين غالبيّة الناس وهو الأمر الذي يعاني من أزمة كبيرة تتفاوت حدّتها بين الدول العربيّة.
إننا في العراق نعيش هذه الازمة بشكل مأساوي حيث لاتوجد كشكات لتوزيع الصحف والمجلات ولاتوجد مكتّبات لبيع الكتب الاّما ندر ــــ هذا اذا استثنينا شارع المتنبي في بغداد ـــ وبعض المكتبات هنا وهناك لكنها بالتأكيد لاتفي بالغرض وأن أغلب المطبوعات تتكدس في مخازن المطابع ولاتباع الاّ في معارض الكتب التي لاتستغرق اكثر من بضعة أيام في السنة ..
يضاف الى هذا كلّه انحسار حركة السينما والمسرح وتعاظم الهُوّة بينها وبين الجمهور بحيث «تتصحَّرُ» قاعات السينما و المسارح حتى تلك التي تتواجد في « المولات» الكبيرة التي تدخلها الملايين
فعلى سبيل المثال:
«ثمانية ملايين زائر شهريا لمول المنصور
ثلاثون ألف مشاهد لصالات السينما فيه فقط»
يمكننا من خلال تأمل هذه النسبة معرفة درجة عزوف الناس وعدم اهتمامهم بهذا الفن العظيم الذي يملأ حياة كل شعوب العالم .
هذه بعض الامثلة على فقر حياتنا الثقافية وكما رأينا فهي تتوزع بين التربية ومناهج التعليم مروراً بنشر الكتب وتوزيعها حتى التعامل مع الفن السينمائي والمسرحي وكلها ينابيع للجمال والمعرفة والحضارة يشكل غيابها او فُقرها عجزاً وبالتالي خطراً يتهدد أمننا واستقرارنا.