عن الإرث والذاكرة عند العراقيين القدماء وصايا سومرية 1-2

ان جوهر فكرة الاهتمام بالحفاظ على التراث الثقافي لا يتعلق بتمجيد الماضي او باقحامه قسراً على مسرح الحاضر، وانما تقديمه للشعب بطريقة منهجية وحيادية مبسطة، كي يتمكنوا من التعرف على حاضرهم بشكل أفضل كون التراث أحد منابعه الأصيلة، بما قد يضعه بموضع حجر اساس لبناء المستقبل، اذا الامر ليس متعلقاً بتقديس الأثر بحد ذاته وانما احترامه وفهمه جيدا ضمن سياقاته كجزء من ذاكرة جمعية، والتي هي احدى العناصر المؤسسة للهوية الوطنية. ورافد مغذي لمقومات بناء الأمة العراقية، هكذا ينبغي فهم التراث الثقافي في سياقه الأشمل.
في قول مأثور لعالم السومريات الشهير صموئيل نوح كريمر( 1897-1990 ) ان» التاريخ ابتدأ من سومر»، وهذه شهادة ولا اصدق من عارف افنى عمره ما بين الواح سومر، ستكون مدخلنا لهذا المقال .

عُرف عن أهل العراق القديم اهتمامهم بأرث أسلافهم، فهم أدركوا جيدا ومنذ فجر التاريخ و كما سنرى في هذا المقال انهم ورثة بلد عريق ذو تاريخ مجيد، ارست الالهة اسسه بحسب عقائدهم واساطيرهم، فانزلت الملوكية من السماء على حواضره الاولى وسورت مدنها، ولذا اصبح التعامل مع الارث واجبا مقدسا على الشعب أرضاءً للالهة، سنحاول في هذا المقال تفصيل بعض من شواهد تركوها لنا، انتخبناها من ارشيفنا الاثاري الغني .
نصوص الفأل – الشومّا ألو
وردتنا قائمة طويلة من النصوص المتعلقة بطقوس الأدعية المختصة بترميم الابنية من العصر البابلي القديم (الآموري) والتي استمر العمل بها حتى العصر السلوقي، يرد فيها تعاليم تُعرف بالشومّا آلو ( وترجمة مجموعة تلك التعاليم: اذا مدينة في الاعالي ) و هي تشمل الابنية الخاصة بالسلطات الدينية والسياسية وحتى بيوت الخاصة من الناس.
اذا رمم شخص معبداً ، فسيحالفه الحظ الجيد
اذا هدم شخص معبداً، فسيبتلعه النهر ( طقس عراقي قديم، يُستخدم للحكم على السيء من الناس ).
اذا نقل أحدهم هيكلاً، فسينتهي هذا الشخص حطاماً.
اذا رمم أحدهم مُنشأً قديما، فأن ألهه سيكافئه.
هذا النص مثال لقائمة طويلة من نصوص كانت تتلى كجزء من طقس حماية منشآت وتماثيل لالهة وملوك وبها تعليمات واضحة وصريحة باتباع منهجية محددة لئلا تقلق الالهة وتنزعج.
هكذا وصايا يحيط بتفاصيلها كهنة مختصون يدعون ( بارو )، و لديهم خبرات بعلوم المساحة والتخمين الانشائي، وهم يقومون كذلك بمهمة التدقيق بشأن اللقى والعاديات التي يتم العثور عليها في طبقة الاسس القديمة من احجار وشواهد اسس وآجرات، فهذه جميعها تعتبر عرفا ذاكرة المكان المقدسة، والاهتمام بالحفاظ عليها سيجلب رضا الالهة و قبولها و المكافئة بالحظ السعيد للأرض ومن سيسكنها.
طقوس صيانة البنايات القديمة
في احد النصوص العراقية القديمة، التي ترقى الى الفترة السلوقية (دامت من 312 الى 238 ق م ، وقد خلفت حُقبة الاسكندر المقدوني المتوفى في بابل في العام 323 ق.م )، برد تفصيل لطقوس تتعلق بالبناء والعمارة وكيفية التعامل مع المنشآت القديمة الدينية منها كالمعابد و الحكومية كالقصور، ويبدو ان هذه الطقوس قد تناقلتها الاجيال و سنجد جذورا لها ترقى الى العصور السومرية في مطلع الالف الثالث ق.م، ينص الطقس على ان يقوم كاهن التعزيم الخاص المدعو (الكالو Kalo ) ، برفع طابوقة من المعبد القديم ووضعها في مذبح المعبد الجديد وخلال تلك العملية تتم تلاوة تراتيل قديمة لآلهة البناء و التشييد ( كولا Kulla- ) أو الى (موش دام مو – بنّاء انليل العظيم- šidim gal den-líl-lá-ke4 ) ، وبعضها كانت بلغة المعابد المقدسة ( السومرية ) ، الفكرة كانت بالابقاء على المنشآت القديمة المكشوف عنها ومعاملتها بحذر شديد عن طريق حفظ ما تبقى و من ثم البناء من حوله او عليه، وفي هذا دلالة على قدسية المُنشأ القديم، هكذا طقوس كانت تسبقها بالعادة عملية مسح دقيقة للموقع بعد اجراء الكشف من قبل الكاهن الخبير المختص ( البارو) ، كي يتم تفادي الدمار والضرر ما امكن.
كان سكان البلد متنبهين باستمرار لهذا الامر بدليل كميات النصوص التي عُثرعليها وتفصّل لهذا الامر بشكل صريح، ان التراكم التاريخي الكبير الحاصل في بلاد النهرين آنذاك، اورث الشعب بيئة ثقافية غنية دفعت ابناءه الى الاهتمام بما توارثوه فوضعوا نصوصا تفصيلية بالامر وابتدعوا طقوساً خاصة لتطمين الالهة بحسب عقائدهم.

ملوك آثاريون ومتاحف قديمة
تُخبرنا الرقم الطينية أن العاهل البابلي نابونئيد والذي اعتلى عرش الامبراطورية البابليه الكلدية منذ العام 556 ق.م وحتى سقوطها على يد قورش الاخميني في العام 539 ق.م ، قد عُرِف عنه هوسه باقتناء الاثار القديمة ، و كان يحرص على التنقيب في الاماكن التي بسط بها العراق سلطته على ارجاء الشرق الادنى القديم . وقد استحق بذلك لقب (اقدم آثاري في التاريخ ) أطُلق عليه من قبل المحافل الاكاديمية ، حيث كان يقوم بتجميع العاديات التي ترقى الى عصور غابرة ، و يقوم بتصنيفها بمساعدة ابنته ( بل شالتي ننار ) وهي كاهنة الاله سين العظمى في بناية خاصة في مدينة اور ، يورد المنقب البريطاني السير ليونارد وولي والذي نقب في الموقع خلال عشرينيات القرن المنصرم وكشف عن تلك البناية ( المُتحف )، انه قد عثر على رقيم طيني للملك نابونئيد يذكر فيه « خلال اعمال التجديد لمعبد الاله سين في اور، فأنه قد امر بحفر الارض للتفتيش عن المخطط للمعبد الاصلي ، كي يتمكن من اعادة البناء وفق التصميم الاول حفاظا على قدسية المكان ، وخلال الحفريات فقد عثر على رقيم طيني باسم الملك السومري ( بور سين و الذي حكم في اور بحدود 1600 عام قبل زمن نابونئيد تقريباً )، فامر كتبته باستنساخ الرقيم القديم وقام بوضعه في محله وطمره بالتراب ، اذا ما عثر عليه المنقب وولي كان نسخة نابونيئد للرقيم السومري المنسوخ، ما برح ليونارد وولي يدهشنا في كشوفاته تلك ، فيبلغنا في طريفة ان سر تعرفه على تفاصيل تلك القطع في الغرفة كان بمساعدة من امينة ذلك المتحف ( ابنة نابونيئد الكاهنة بل شالتي ننار ) فهي على ما يبدو كانت مهتمة أيضاً باللقى القديمة و تنظيمها بدليل تركها لرقيمات تعريفية لكل قطعة أثرية وُجدت في البناية مع ما توفر من تأصيل لها ، وهو ما يُعمل به من قبل المتاحف في عالمنا المعاصر وتلك قصة اخرى لابد لنا من تناولها في مقال مفصل لاحقاً
يرد في كتاب ليونارد وولي عن تنقيباته في اور الشهادة التالية :
« يبدو ان حرفة التنقيب لدى سكان بلاد النهرين القدماء ، عريقة كتاريخهم وان التبجيل لاثار العصور القديمة وخطورة محوها او العبث بها تسري في دمائهم كسريان الأسطورة في مدوناتهم».