عن الاطار المكاني ..

عمار حميد مهدي

سواء في السرد أو الواقع هناك اشارات مهمة تنطبق على المكان تعتمل في النفس والعقل لتختزن في النهاية في لاوعي الإنسان وهذا ما تنبهت له اثناء قراءة لكتاب الدكتور والناقد مالك المطلبي (حفريات في اللاوعي المهمل) والذي يثير من خلاله علاقة الذاكرة مع المكان واستعادتها له عبر أحداث مختزنة في الماضي يبدأ بانتزاعها من مكانها كما هي عن طريق (أزميل) لغوي يُنتج مايقرأ كما تبين مقدمة الكتاب.
بداية لابد من التعريف بمعنى الأطار المكاني فهو الحيز البصري الذي من خلاله نستطيع ان نميز مكانا معينا بذاته, او هو كل ماتقع عليه عيني الإنسان فيثير بداخله جملة من المشاعر والأحاسيس والأفكار المعينة، وفي رأيي هناك ثلاثة أنواع من الأطر المكانية التي تترك الانطباع لدى الإنسان:
النوع الأول هو الاطار المكاني الذي يراه الإنسان لأول مرة حيث يستجمع أفكاره وأحاسيسه للتعرف عليه والتواصل من خلاله واستكشافه وسأطلق على هذا النوع من الأمكنة (المكان الحسّي)، اما النوع الثاني من الأطر المكانية هو ذلك الذي عايشه الإنسان لفترة معينة ثم انقطع عنه ثم عاود الرجوع إليه فيعمل عقل الإنسان على استرجاع الذكريات لمحاولة الاتصال من جديد مع المكان وسأدعو هذا النوع من الأمكنة (المكان المخزون) لأنه مخزون في الذاكرة، والنوع الثالث من الأطر المكانية هو اجتماع النوعين الأول والثاني حيث يرى الإنسان مكانا عايشه لفترة محددة ثم أنقطع عنه وعندما يعود الى المكان من جديد سيعمل على استرجاع الذكريات ويستجمع الأفكار والأحاسيس الجديدة للتعرف على التغيرات الكبيرة التي طرأت على المكان وأحدثت فيه أمورا جديدة وسيكون اسم هذا النوع من الأمكنة (المكان المتفاعل) كونه يعمل على زيادة المؤثرات داخل النفس بسبب الصراع بين الذاكرة والاستكشاف.
تتغير أنماط المكان بالنسبة للشخص الذي لايترك مكانه مابين النوعين الأول والثاني فمع الوقت يتغير المكان المخزون ويتحول تدريجيا الى مكان حسّي، اي انه كان مكانا ثابتا لاتغيير فيه ولكن مع مرور الوقت سيبدأ بالتغير الى مكان جديد تدريجيا يختلف تماما عما كان عليه والفترة التي يتغير فيها هي فترة (تفاعل الأحاسيس مع المكان) وهذا يمكن ان يُشار اليه بأنه تفاعل ايجابي حيث يكون دلالة على خلق احداث جديدة في المكان تحفز على الابداع والابتكار فيما اذا كان المكان حسيّا اي انه جديد على الحواس لدى الشخص ثم يتحول الى مكان مخزون (اي لاتحدث فيه احداث جديدة ويبقى كما هو) فيُشار الى هذا التفاعل انه تفاعل سلبي فيأخذ حالة أشبه بالركود فلا تعمل على اثارة الأحاسيس والابداع في العقل.
وفي النهاية فأن الجامع لكل ماتقدم هو (الفضاء) او الحيز الذي يشغله المكان والذي ندعوه ايضا (أجواء المكان) فهذا العنصر يختلف تأثيره في الأحاسيس والحالة المكانية فهو يعطي اشارات متوازية مع نوع المكان سلبيا او ايجابيا فغالبا مانستخدم تعبير (الأجواء مثقلة) في وصف حالة مكان ذي تفاعل سلبي او ان (المكان يعج بالحيوية والنشاط) في حالة مكان ذي تفاعل ايجابي.