عن المبتدأ و..المُخبر

شوقي عبد الامير

المبتدأ والخبر أول ما نتعلّمهُ من قواعد لُغتنا وهما من البداهة بمكان بحيث أنّ كل عربي يعتقدُ نفسَهُ قادراً على التحدث بهما في جمل «مفيدة»
وفي عنوان مقالي لا أقصد مجرد المفارقة بين الخبر و «المخبر» فإن الأمر- كما سنرى – يتعدى ذلك الى ماهو أبعد بل وأخطر.
كنت قد تطرقت في مقالات من على هذا المنبر الى «شفاهيّة» الخطاب العربي وانعكاساته على الشخصيّة والسلوك الاجتماعي والفردي وهنا سأتوقف على جانب آخر من هذا الخطاب من خلال ثنائية المبتدأ والخبر.
المعروف أن الشفاهيّة ثمرة الارتجال الذي يكثر في الخطاب العربي وهو مايؤدي في الغالب الى «مهالك» لغوية وشَخصيّة عندما لاتتم السيطرة عليه لكنه –للاسف – مازال شائعاً في الكثير من المنابر الثقافية والفكرية والسياسيّة بحيث يظن المتكلم أن موقعه الإداري أو السياسي كافياً ليؤهله أن يرتجل خطبةً أو حديثاً دون أن يسبق ذلك تحضير ودراسة وتوثيق.. وهنا تبدأ أولى إشكالات الجملة التي لاتنتهي ويظل المتحدث يلوك و «يتوسل» المفردات والمرادفات الواحدة تلو الأخرى أملاً في الإيفاء بالمعنى دون جدوى..
هذا النوع من الأحاديث تكثر في الإعلام المرئي لأنه يساعد على الارتجال هذا اذا أغمضنا أعيننا عن الأخطار اللغوية ، «خطايا» الإعراب القاتلة…
في أغلب هذه الحالات تكثر «المبتدآت» لدى المتكلمين وتقل أخبارُها فتظل معلقةً مثل جُسور بضفة واحدة، ويصير الكلام رمياً بالمجهول.. وهذه إحدى أمراض الخطاب الشفاهي الشائع.
لكن حالة أخرى في الواقع اكثر إشكالاً وخطورة في مسألة «الخبر» ألا وهي تَحوُّله الى «مُخبر» أي أن ثنائية المبتدأ والخبر تنتقل من مفهومها النحوي الاعرابي الصرف الى حالة سلطوية بوليسيّة تُمارسها حكومات القمع والاستبداد في السلطة العربيّة..
هذه الحالة تتجسد في أنهُ ما أنْ يقومَ متحدثٌ، كاتب أو مفكر أو سياسي بالإدلاء برأي أو الشروع بعمل أو التصريح بفكرة-أي أن يبدأ سيروة ما- إلاّ وتلقفهُ «المخبر» الذي يترصده قبل أن يصل الى جمهوره كما يحدث في المجتمعات المحكومة بالحديد والنار والتي عانت وتعاني منها الكثير من شعوبنا العربية..
إن فصاحة العربي التي يُعَبَّرُ عنها من خلال «المبتدأ والخبر» انتقلت، لا بل مُسِخَتْ، عبرَ صورة الحُكم الذي صار المخبرُفيه يُصادر حق المتكلم أي حق القول..
نحن بحاجة اليوم الى عودة حقيقية الى صورة المبتدأ والخبر في لغتنا بوضوحها ونصاعتها في الحياة كما في اللغة كما إنّ التجارب الديمقراطية العربيّة على ندرتها وكثرة المشاكل التي تعاني منها يمكن اعتبارها صورة -ولو أوّلية ومتعثرة- لبلورة سيرورة بهذا الاتجاه تعيد اللغة والمجتمع الى أفضل نماذج تحققهما وتكاملهما باعتبار اللغة مرآة للمجتمع وأن تشوهها يعكس تشوه المجتمع (والعكس صحيح) ومن هنا فإن تشوه لغتنا اليوم هو صورة لتدهور المجتمعات التي تتحدثُ بها. ولذا سيتوجّبُ علينا أن لانفصل بين انحدار اللغة وتشوّه المجتمع لان اللغة والمجتمع مرايا حقيقية متقابلة..
إن اللغات الأوربيّة المعروفة كالانكليزية والفرنسية والاسبانية على سبيل المثال لا الحصر تعكس حالة التطوّر والبناء داخل شعوبها بحيث تتجّدد القواميس فيها كل خمس سنوات بالأكثر، والقاموس العربي الوحيد الاوحد «لسان العرب» ما زال مثل ابي الهول قائماً يعاد طبعُهُ حرفيّاً منذ عشرة قرون ولا تمسّهُ يدُ التجديد والتطور..
هذا الامر هو الذي دفع بالشعوب التي لم تجد في قواميسها «المقدسة» مايلبيّ حاجاتها في الحياة والتطور الى أن تبتكر لغةً أقرب لأحاسيسها وحياتها اليومية وهي التي نسميها بـ «الدارجة» أو «المحليّة» وقد كبرتْ هذه الدارجة اليوم بحيث صارت تهدد اللغة الام..
إن هذا الخطر الآتي من استحواذ المخبر العربي على الخبربما يتجاوز الإشكال اللغوي الى الاجتماعي والسياسي، هو ما يتهدّدُ نسيجَ المجتمع واللغة في عالمنا العربي ..