عن المساواة في مجتمع لا إسلامي…

حسين علاوي

قسمت كتب الفقه الكلاسيكية الأرض إلى دارين، دار الإسلام أو الدين.. ودار الحرب أو الكفر.. ولم تكن الدول بعد ذات كيانات سياسية.. ولم يكن في وسع مجتمع غير إسلامي ان يطالب مبدأيا بالمساواة القانونية.. وقد كان هذا عند البعض من الفقهاء غير عقلاني او مستنبط من المفهوم الإسلامي للعلاقات الدولية.. وخاصة للمعاهدات التي جرت في زمن الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد اعتمد بعض الفقهاء في هذا التقسيم على أمر صادر عن الرسول (ص) الى المسلمين الأوائل بترك مكة أرض الحرب.. والهجرة الى المدينة أرض الإسلام.. وهو حكم ملغي لعدم توافق هذه النظرة وجوهر الإسلامي الحقيقي.. واستجابة لمنظور مختلف زمانيا ومكانيا ودينيا.. والعقل الذي خاطبه الدين وفسر أحكام الشريعة يرفض بلا شك بعداواة مستمرة، ونزاعات مسلحة لا تعتمد على منطق عقلي وواقعي.. وخاصة وان المعاهدات الدولية لم تكن بعيدة عن منطق الإسلام.. بعد ان اعتبرت الكثير من المصادر الإسلامية ان المصادر القانونية لمعاهدات الصلح والهدنة هي الأحكام القرآنية والسنة النبوية.
الا ان كتب الفقه مازالت تصنف الدول غير الإسلامية بأنها دار حرب او كفر.. وانها سميت بدار الكفر لأنها لم تتقيد بالتعاليم الإسلامية.. والحكم فيها حكم العنف والجهل والاستبداد.. ودار الحرب توحي بالاضطهاد والطغيان والقهر الديني.. برغم ان الكثير من قادة الحركات الإسلامية وخاصة في العقود الأخيرة من القرن العشرين، كانت لهم دار الكفر هي المأوى وهي الخلاص من الطغيان والدكتاتوريات التي كانت تحكم في عالمنا العربي والإسلامي.
وقد بقي هذان المصطلحان في الشريعة والسنة قائمين وملتزم بهما في الكثير من المذاهب الإسلامية.. برغم ان بعض علماء الازهر اعتبروا ان صلاحية هذين المصطلحين فقدا صلاحيتهما في ظل النظام الدولي الجديد بل أنهما يدرسان في الكليات والمعاهد والحوزات الإسلامية.. بل ان هناك الكثير من المفارقات التي حدثت أثناء دراستهما في بعض المعاهد الإسلامية.. بعد ان ضغطت دولة إسلامية على العراقيين الموجودين على أراضيها وطالبتهم بالرحيل.. فهاجر الكثير منهم الى دول الكفر وقبلتهم لاجئين، بعد ان طردوا من دار الإسلام.. بل ان أعدادا كبيرة من المسلمين لجأت الى دول الكفر بعد ان رفضتهم دول الدين.. وهو ما يتفق مع تعريف محمد أبو زهرة لدار الحرب، فهي الإسلام عنده الأقاليم المجاورة او المتاخمة لدار الإسلام والتي يمنع وصول المسلمين والدخول اليها.. وتشن منها المهمات العسكرية في كل لحظة..
(أنظر مفهوم الحرب في الإسلام، ص41)، ويقسم أبو الحسن الندوي ويقول ان الإسلام قسم البشرية الى قسمين كبيرين، قسم يضع عباد الله الحقيقيين وابطال الحقيقة.. ويضم القسم الآخر أتباع الشر الذين هم أبطال الضلال، ويعلن الإسلام الحرب على كل الذين يؤلفون الفئة الثانية، (الإسلام والعالم، ص142).
ان الناظر والمتأمل لهذا الكلام، يتبادر له ان الأرض مقسومة قسمة واضحة لا محيد عنها.. وان التسميتين توحيان بعلاقات متبادلة مبنية على العنف.. وقد أضافت بعض كتب الفقه مصطلحاً آخر سمي دار الصلح.. وهو ما يخص الأقوام التي تدفع الجزية للمسلمين.. حينما يتقرر بوضوع واتفاق كون الشريعة لا غرض لها سوى مصالح العباد، وان كل نصوصها وأحكامها انما تروم تحقيق تلك المصالح مع ما تستلزمه من درء المفاسد والأخطار.. والتشويه لها.. حين يتقرر هذا يكون من حقنا ومن واجبنا الشرعي والإنساني ان نتعامل مع الاحاديث والنصوص وأحكامها كافة تعاملا واقعيا.. وان نطبقها تطبيقا واقعيا.. وليس نصوصا تقرأ وتحث على العداوة والعنف، دون ان يكون لها مسوغ شرعي.. وتطبيق إسلامي وخاصة للمصطلح الثاني أي دولة الإسلام وعلاقتها بالمسلمين الذين لا ينتمون لجغرافيتها..
وهذا التعامل مع الاحاديث والنصوص، هو البديل عن افتراض تعارض النص والمصحلة، كما انه بديل أيضا على افتراض خلو نص من المصلحة. بعد ان ساءت لدى الكثير من فقهاء المذاهب الإسلامية عقلية تتبنى التعامل مع الروايات والنصوص والاجتهادات على أنها تكليف وإلزام، فيجب أداؤها وتطبيقها بانضباط وحرفية.. إبراء للذمة.. وألحقوا بها الكثير من المبالغات والاحتياطات ما عقدها وضاعف من كلفتها.. وقد يكون الكثير منها لزمان غير زماننا.. ولمكان غير مكاننا.. او لا تنسجم مع العقل الواعي.. جاء في الأحاديث الصحيحة عن الامام علي إبن أبي طالب عليه السلام: “ان رسول الله صلى الله وعليه وآله وسلم، بعث جيشا وأمر عليهم رجلا، فأوقد نارا، وقال: أدخلوها.. فأراد أناس ان يدخلوها.. وقال الآخرون أنا فررنا منها.. فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال للذين أرادوا ان يدخلوها، لو دخلتموها لم تزالوا فيها الى يوم القيامة.. وقال للآخرين قولا حسنا”.
فالفقه الإسلامي والاجتهاد الفقهي لا يبتعد عن العقل ولا يجافي الواقع.. فهو التأطير الشرعي للواقع، واقع الأفراد والجماعات والدول والمؤسسات.. وان أمور الدنيا تتغير من زمان الى آخر.. ولابد من الفقه ان يتغير بحسب الظروف وحركة العصر.. وعلاقات الشعوب والدول بعضها لبعض..