عن المهرجانات والشعر

شوقي عبد الامير

عرفتُ مهرجاناتٍ كثيرةً، في بلدان متعدِّدة شرقيَّة وغربيَّة وفي قارات متباعدة بين أميركا الجنوبيَّة وأفريقيا، أوروبا وآسيا.
مهرجانات تتنوَّع في الحضور واللغات وطبيعة التَّعامُل مع الشعر وطقوسه في الإلقاء والخطاب.
وعرفتُ أيضاً أسواقاً للشعر، تعرض فيها دور النشر دواوين الشعراء وما يكتبُ عنهم وتنظَّم الندوات والملتقيات للتواصل بين الشعراء ومعهم.
قضيتُ قرابة أربعة عقود في التَّواصل بين كلّ هذه المهرجانات؛ فوجدتُ بعضها شديد التنظيم، دقيق المعلومة، حادّ الطبع، لا يتسامح بخطأ أو تجاوز وهو ما يحدث غالباً في المنظمات الدوليَّة، التي تحسبُ حتى الدقائق للمداخلات والقراءات وتكون صارمة جدَّاً في تطبيقها.
وشهدتُ أخرى في بلدان أميركا الجنوبيَّة، تجمع بين التنظيم والتلقائيَّة وتمتاز بحضور شعبيّ دافئ وحميم من قبل قرَّاء ومحبي الشعر.
وشاركتُ بمهرجانات أوروبيَّة تعنى بالمادة الشعريَّة والدراسات والخطاب الإعلامي بشكلٍ مركّزٍ، لدرجة أنَّها تُقتِّر في عدد المدعوّين توخياً لمستوى الحضور ونوع الرسالة المراد إيصالها، وهي بهذا تضع خارطة مدروسة لكلّ مراحل الأحداث الجارية قبل وبعد الموعد، خاصة أنَّها تُحضِّر العديد من المطبوعات التي تكرّس رسالتها مزوَّدةً بالصور والمختارات الشعريَّة وهو ما يحدث غالباً في أوروبا الغربيَّة.
كما أنَّ لأوروبا الشرقيَّة طعماً متميِّزاً، بالأخص قبل سقوط الاتحاد السوفيتي لأنَّها كانت تؤطر هذه اللقاءات آيديولوجيَّاً ولو من بعيد، وكانت أقلّ تنظيماً وتنسيقاً مما يحدث في أوروبا الغربيَّة، لكنَّها أكثر حميميَّةً وكان حضور الجمهور حاشداً، بحيث بدتِ العلاقة بين شعوب أوروبا الشرقيّة والشعر تتفوَّق بكثير على تلك التي تربط شعوب أوروبا الغربيَّة بالشعر حتى أنَّ مهرجان «شتروكا» الشهير في يوغوسلافيا سابقاً كان يمتاز بحفاوة رمزية نادرة وغريبة، حتى إنَّهم «زرعوا» غابة كاملة بأسماء الشعراء، حيث أوجد المهرجان تقليداً يقوم على أنْ يزرع كلُّ شاعر شجرة تحمل اسمه، وإلى جانبها مقطع من شعره.
هكذا كانت ولا تزال المهرجانات الشعريَّة تتفاوت في طبيعتها ومزاج الشعوب التي تجري فيها وكذلك رسالتها إلى العالم.
أمّا نحن في العراق فإنَّنا نملك اسماً تأريخياً معروفاً لمهرجان شعريّ مُعمَّر (قرابة نصف قرن) وهو مهرجان المربد، وبمعزل عمّا كان المربد خلال فترة حكم الديكتاتور الذي صاغهُ على مقاسه الشخصيّ أكثر منه الآيديولوجي، فقد كان يمكن أنْ يسمّى كما يقال في الدارجة العراقيَّة «مهرجان توصاه» مثل «سترة توصاه» لصدام حسين، لكنَّه استطاع بتأثير السلطة ومغرياتها والإنفاق المالي الباذخ أنْ يجمع أسماء كثيرة من الشعراء العرب وبهذا المعنى نجح في صناعة الاسم.
وعندما ورثنا هذا الاسم الذي كان بالإمكان أن نستفيد منه في إشعاعيَّة أكبر ورسالة أكثر نبلاً وحضورٍ أكثر شفافيَّة وتمثيلاً، لم نستطع ـ أقولها بأسف وحرقة كبيرين ــ أنْ نحقِّق شيئاً من هذا، وما زال «المربد» اليوم ليس لقاءً للشعراء أكثر منه «تهافتاً» للمنبريَّة والحضور الارتجاليّ، الذي يثير الكثير من الانتقادات المحقَّة، سواء في التنظيم أو الاختيار.
لم يحدث هذا عن قصد طبعاً وإنما يغيب في كلّ عام التحضير الدقيق والخطَّة المدروسة للأسماء والتنظيم الداخلي، بحيث تتكرَّر ذات الأخطاء- مثل هذا العديد الهائل الذي لم يحصل قطّ في أي مكان آخر للمدعوّين من «الشعراء» الذين لا بد من وضع القويسات أمام أسماء العديد منهم- وسوء التنظيم الداخلي وغياب الأسماء الكبيرة عربيَّاً وعالميَّاً.
أما آن الأوان للالتقاء بكلّ المعنيين بالمهرجان لإعداد دراسة معمّقة وبلورة رؤية أكثر نضجاً وأكثر حضوراً وإشعاعيَّة للشعر في المنطقة والعالم.