عن تقنيات السرد الروائي الياباني

سريعة سليم حديد

يشدُّنا الأدب العالمي المترجم كثيراً لما يحمل في طياته من معالم تكشف عما يفكر به الأدباء المشهورون، فهم بأدبهم يعكسون أجواء واسعة من عوالم مفاجئة.
الروائيَّة اليابانيَّة (بنانا يوشيموتو) عالم متفرِّد في بساطة السرد الروائي من حيث الاقتضاب في سيرورة الأحداث وسبر أعماق الشخصيَّات مخترقة تلك القوة الهائلة لمتابعة الحياة على الرغم من كل الصعوبات التي تواجه الإنسان، فاتحة أفق الحدث المنسرح عبر الواقعيَّة البسيطة التي تدفع بالقارئ إلى المتابعة بحالة من الارتياح التام والتي قد يفقدها في الكثير من الروايات، محقِّقة بذلك متعة القراءة، كاشفة عن طرق جديدة في سرد الأحداث من خلال الاختصار أولاً، والشفافيَّة ثانياً، وعمق الإحساس ثالثاً.
الحب النقي في رواية «خيالات ضوء القمر» ينتعش من خلال هديَّة (ساتسوكي) إلى صديقها (هيتوشي) في المدرسة. الجرس الصغير، هو الهديَّة التي يرنُّ صداه عبر اختلاجات الأحداث، متضمِّناً تلك العاطفة المتنامية في القلبين الصغيرين، متحدِّياً عوالم النسيان، فارضاً نفسه على الذاكرة بقوَّة.
تظهر شخصيَّة (ساتسوكي) متحدَّية البرد، فتذهب يوميَّاً عند الفجر جرياً إلى الجسر، وذلك تحت تأثير الصدمة النفسيَّة من خلال موت حبيبها (هيتوشي) مما يبعث في النفس حبَّ الإقدام وعدم الاستسلام للأحزان، نقتطف:
( المروج البيضاء مترامية على مدِّ البصر، مغشية بضباب الفجر المائل إلى الزرقة، والذي يكتنف المدينة. كنت ألبث واقفة في الهواء النقي البارد الذي يخزُّ الجلد، وأشعر بأنني أقرب قليلاً من الموت، فالواقع أني ما كنت أتنفَّس حقَّاً إلا في كنف ذلك المنظر ذي الشفافيَّة الناصعة..) ص143
في الرواية حالة من الربط اللطيف ما بين حالة حب الفتاة (ساتسوكي) وفقدانها حبيبها (هيتوشي) وبين حالة حب أخرى ما بين الشاب (هييراجي) وفقدانه حبيبته (يوميكو).
كما تبدو المقابلة واضحة في طريقة التأقلم في العيش بعد موت (هيتوشي و يوميكو) فإن (ساتسوكي) سلكت حالة من العادة التي تعتبرها معبراً يوصلها إلى الراحة النفسية، وهي مداومة الجري يوميَّاً وقت الفجر لتصل إلى الجسر، حيث كانت تلتقي بحبيبها، بينما (هييراجي) عمد إلى ارتداء تنوُّرة حبيبته المدرسيَّة متحدِّياً التعليقات والغمزات من الأصدقاء والمارة، ظنَّاً منه أن ارتداء تلك التنوُّرة عرفان وفاء للحبيبة المفقودة.
تضعنا الكاتبة في جو لطيف عندما تطَّرقت إلى ذكر ظاهرة غريبة يطلق عليها اسم (تانا باتا) وهي نسبة إلى أكثر الأعياد شعبيَّة في اليابان الذي يحتفل به بحسب رواية صينيَّة قديمة بلقاء المحبين بعد فراق مرَّة واحدة في العام على ضفَّة المجرَّة والغزال والطائر) ص182
هذه الظاهرة لا تحدث إلا على الأنهار الكبيرة حيث يعيش المرء حالة من المازوشية فيلتقي بمن فقده، يتجلَّى وسط السراب على الطرف الآخر من الجسر.
هذه الحالة عاشتها (ساتسوكي) ـ بدعوة من صديقة عابرة اسمها (أورارا) ــ بكل غرابتها ملتقية بحبيبها (هيتوشي) الذي فقدته منذ زمن. نقتطف:
( ولكن مع تسلل أنوار الفجر، بدأ كل شيء يتلاشى على مهل وأمام ناظري، راح (هيتوشي) يبتعد شيئاً فشيئاً، وإذا استبدَّ بي الاضطراب فزعاً. راح يلوِّح بيده مبتسماً، تلويحة الأيدي المتكررة أبداً، كان يغوص في العتمة الزرقاء… كانت خطوط ذراعيه ما زالت تشكِّل صورة أخيرة منعكسة على صفحة السماء، أما هو ففي ابتعاده رويداً رويداً، غاب عن ناظري متلاشياً، وتبعته بنظراتي المغبشة بدموعي) ص 181
ولا بدَّ من العودة إلى حالة المقابلة في الأحداث، (ساتسوكي) تعتذر لحبيبها (هيتوشي) بأنها ستذكره بشكل طبيعي، وسوف تقلع عن عادة الذهاب جرياً إلى الجسر ممنيِّية نفسها بذكرى تلويحة يده وكلمة الوداع الأخيرة. أما (هييراجي) فقد رأى حبيبته (يوميكو) في الحلم، وهي تأخذ تنوُّرتها من خزانته، وتبتسم له، وهكذا أقلع عن لبس التنوُّرة لأنها قد اختفت حقيقة من الخزانة.
إنَّ رواية (خيالات ضوء القمر عالم شفاف منسرح وسط أحداث نفسيَّة قاسية، لطيفة بلغتها البسيطة المفعمة بالأحاسيس النبيلة والمشبعة بالتعابير الجذَّابة من خلال التغزُّل بمفاتن الطبيعة وخاصة لون الفجر، السماء، الغيوم، الضباب.. أما النهاية فجاءت منطقيَّة عقلانية، تنمُّ عن معالجة حكيمة للمشاكل النفسيَّة القاسية، نقتطف:
(أودُّ أن أكون سعيدة، وبدلاً من أن أشقى كثيراً في جرف مجرى النهر، فلاستسلام لغواية حفنة من شذرات الذهب، وآمل أن يكون كل من أحببتهم أكثر سعادة في المستقبل).
(هيتوشي) لا أستطيع أن أبقى هنا، يجب أن أتابع تقدُّمي، لأن الوقت ينقضي، ولا سبيل لإيقافه، يجب أن أرحل.
بعثة تنتهي، بعثة تبدأ، هناك أناس سوف نلتقيهم ذات يوم، وهناك آخرون لن نراهم بعد اليوم، وهناك من يبتعدون مع الوقت… يجب أن أواصل العيش.. شكراً لأنك لوَّحت لي بيدك، شكراً لأنك قلت لي وداعاً) ص 186
رواية (خيالات ضوء القمر) للكاتبة بنانا يوشيموتو. ترجمة بسَّام حجَّار. وللكاتبة رواية أخرى بعنوان (المطبخ).