عن رواية خليل صويلح «اختبار الندم» شظايا الواقع والسرد

دعد ديب 

الندم تعبير حسّي يخفي في ثنايا تلافيفه حكايا ومكابدات، قل أن يفلت من حبائلها أحد، إذ لكل امرؤ قصته الخاصة؛ وندمه على مواقف وأفعال كان يجب أن تقال أو تفعل؛ وخانه الإدراك والقدرة على تدارك ما غفل عنه، ليبقى الندم يخز في الذاكرة، ويبقى الضمير يئن تحت وطأته، الندم الذي يبدأ تعريفه خليل صويلح في الصفحة الأولى من روايته (اختبار الندم) إصدار دار «نوفل – انطوان هاشيت» التي حازت على جائزة الشيخ زايد للكتاب لعام2018، عبر موتيفات بصرية متلاحقة يرصدها في معماره السردي كتجميع لشظايا الواقع المهشَّمة والمهمشِّة.
في المقطع الشعري الغواية الذي يستهل به منجزه السردي يوحي فيه لقارئه أنه بصدد قصة عشق ومناجاة عشاق ((لستُ أول امرأة تقع في غرامها… ولستَ أول رجل أنظر إليه، وأنا متخمة بآمال كثيرة… كلانا قاسى أوجاع الفقد الحادّة، كما نصل السكين… كلانا عاش بفمٍ مغطّى بجروح متقشرة… أكثر من الجلد… حسناً، إليك ما سنفعله لنلتئم…سأقبّلك كما لو كنتَ الغفران، ولتضمني إليك كما لوكنتُ الأمل… أذرعنا ستضمّد الأوجاع… ولن أخاف أبداً من آثار ندوبك)) مصيدة للقارىء الهارب من دويّ الهاون والمتفجرات، ومن سوداوية الواقع المشتعل، ليجد نفسه وقد أعيد من حيث لا يدري إلى فجائعية الحدث غير المنتهي وإلى الخراب الذي حسب نفسه هارباً منه.
يتفنّن صاحب ورّاق الحب في التنقُّل عبر شخوصه التي رسمها بحرفية نحات وعبر الشخصية الواحدة ذاتها إلى أكثر من طبقة في تقشيره للتركيبة النفسية والفكرية والوجدانية لهم، إذ تحضر أسمهان مشعل أو آمال ناجي بالاسم المستعار لتعكس الصورة المزدوجة للمرأة التي تتبدَّى بوجهين، بين الصورة التي ترتاح أن تظهر بها وبين حقيقة ما ترغب فيه، وكيف تتجلّى تناقضاتها بين الروحانية الصوفية ونداء الجسد والرغبة، الأمر الذي لم يستطع أن ينسيه (الراوي) آثار الرعب والتنكيل في النموذج الآخر، شخصية نارنج عبد الحميد في حركة انزياحية ينتقل فيها من قبلة أذن في فعل حب إلى أذن مقضومة في فعل افتراس من قبل ذئب بشري تركها علامة أشبه بوشم، له فعل مدمر في التكوين النفسي للشخصية الغارقة في الحدث المضطرم ومتحملة لآثاره الكارثية على جسدها وروحها اللذين تحمَّلا عسف الاعتقال والاغتصاب والاهانة، في معمعة الاضطرابات الدامية في علاقتها بالراوي الذي تحيط به كوابيس الرعب بالواقع وعلى الشاشات، ذلك الراوي الكاتب الذي يفشل في إكمال روايته كناية عن العجز عن الفعل في عالم اختلطت معاييره، حيث البقاء على قيد الحياة أشبه بمصادفة حدثت بخطأ من الموت في ماراثون كارثي، ليصبح كلّ يوم تالي محاولة جديدة له، لينتقل للشخصية النسائية الأخرى جمانة سلوم: المصورة الفوتوغرافية التي فاجأته بالتقاطها صوراً خاصة مفزعة، وهو الذي تخيّل مغامرة عشقية مأمولة معها، ليفاجأ بجحيم تختزنه عدستها الجوابة لسراديب الدم، وهو الهارب من جحافل الموتى القادمين من ركام الذاكرة في ألبوم الصور، ليحاصروه في دراما كابوسية تحفل بها صفحات الرواية البالغة مئتين وخمسة وأربعين جحيماً.
اقتفاء أثر هنادي عاصي الرسامة المهاجرة كطيف معشوق، يعكس من خلاله أزمة الهجرة والاغتراب التي طالت شرائح واسعة من مواطنيه بما فيها من نزيف للعقول والطاقات، غير غرقى البحر الذي ابتلع بما لم يعد يجدي تعداده وحصره في حمى الهروب من الموت الفاغر أشداقه.
يقوم الراوي أو المؤلف بالإشراف على ورشة كتابة السيناريو لمجموعة من الشباب الذين يحاولون التقاط الواقع في سيناريوهات قصيرة أشبه بفلاشات مكثفة يذكر فيها الشخصيات الثانوية والمتشظية عبر أصقاع الأرض من سيناريو متخيَّل لحارس المسرح الذي سكن بغرفة ملابس المسرح بعد أن طالت قذيفة بيته، والذي يعاود تجسيد شخوص أعمال صارت قرينة للذاكرة، إلى الصبية المنتحرة نايا مروان، إلى المرأة التي قضت وحيدة في عالم مزدحم بالوحشة، والممرضة ريم صابوني التي تروي حكايتها المأساوية وتختفي في ظروف غامضة، في تتابع المشاهد كفرجة كونية عكست الواقع في متوالية بصرية باذخة، فرجة لم تنقذ الضحايا ولم توقف الموت والكارثة.
ربما كان حديثه عن الجماعات التكفيرية في حرقها للمطابع ومستودعات الكتب وقطع رأس المعري كدلالة رمزية عن فعل القتل الذي يجري في أكثر من مكان، والأقفاص الجوالة التي احتجز بها بشر عالقون بمصائبهم، ذا سمة وصفية عامة لم يدخل عميقاً في بنية الفكر الذي أنتجها والراعون له والبيئة التي ينمو بها وترعاه وتغذيه.
الفيسبوك حاضر بالرواية كما هو في واقع الأمر، وفي ظل العزلة عبر أحاديث الفضاء الافتراضي التي تنبئ عن مكاشفات لجسد محروم يعوض خساراته الحسية ببورنوغرافية افتراضية لا تحمل وزر الخطيئة.
كيف تشفى النفوس المعطوبة والناجية من المقتلة بحياة عرجاء، وهل دفن الماضي يعني الصفح عن الأشخاص الذين دمَّروا بسلوكهم حياة آخرين، هل يصلح النسيان كنوع من أنواع الانتقام لمن تسبَّب في العطب؛ عطبنا الروحي والجسدي، مما يحيلنا نفسياً إلى مسرحية «انسوا هيروسترات» ذاك الذي قصد الشهرة بحرقه المعبد فكان الرَّدّ عليه بالنسيان وحرمانه من مجد الذكرى، حيث الإحالات والاتكاء على أعمال أدبية متعددة له حضور كبير في العمل، مثل روايته مسك الغزال وذئب البوادي لهيرمان هسه أو حتى مقاطع شعرية لأنسي الحاج استقى منها رؤية وفلسفة ومحاكاة، بتناص مضمر ومعلن عبر تخافت الصوت وعلوه.
خليل صويلح الذي يروي الحاضر المتفجّر تحت سمعه وبصره، هو الذي لم يقدر على اقتلاع جذره من حنايا دمشق، ليصور الواقع الذي استحال افتراضياً من وراء الشاشات لأفعال الحياة من حب وجنس حيث الرغبة والمرأة بكافة تجلياتها هي خيط الحياة السري غير الواعي في معادلة الوجود، والندم قائم ومقيم، أنندم على الهجرة أم على البقاء، نندم أن نشارك أم نصطف أم نندم لأننا على الحياد، وهذه كلها يطرحها بشكل مضمر في لعبة المعنى ونقيضه، إذ ربما يكون تدوين التاريخ المضاد لعبثية الحرب هو أقصى ما يمكن استعارته في أزمنة الجحيم.