عن سؤال الهٌوّيِة والمخاطر المحدقةِ بها .. مرايا وجذور

شوقي عبد الامير

غالباً ما يوُلّدُ سُقوط الدكتاتوريات أَسئلةً وتداعيات كبيرةً حول هُويّة الشعوب التي عانت من سيطرة الفرد الذي بِحُكمِ طبيعة نظامِهِ الاستبدادي يُعَرَّضُ الهوّيةَ الجمعّيةَ إما للتشوية أو للتغييب وهو ماحدث في العراق أثناء الحكم المقبور .
يُضاف الى ذلك فإن التجربة الديمقراطية التي نحن بصددها منذ خمسة عشر عاماً و التي تشكل الحدث الابرز في الحياة السياسيّة العراقية منذ نشوء العراق الحديث عام 1928 تفتح سؤال الهويّة على مصراعية كما لم يحدث من قبل .
نعلم أن المخاطر التي تهدد الهويّة تأتي من مصدرين أساسيين هما؛ المرايا والجذور
في المرايا تنعكس صورة الشعب وملامح الهويّة وهي التي تواجهُ بسرُعة خطر التهشم والتجزئة وهو ما نتعرض له اليوم في بلادنا كنتيجة مباشرة للدخول بالعملية الديمقراطية التي تتمظهر انعكاساتها السلّبية بقوة على شاشة الهوّية .
إن الظهور الطاغي للمكوّنات العِرْقية والدينية والطائفيّة ؛ خاصة في طرحها السياسي تحت سقف الديمقراطية الجديدة التي نَتدرب عليها منذ عقد ونصف، قد أحدث الكثيرَ من التقاطعات في الألوان والظلال التي كانت مخفيّةً في السابق .
هذا الظهورُ الحـــــادٌ للمكوّنات وهي تتصارع ديمقراطياً بشكل لم يحدث قط في تأريخ العراق شكّل ملمحاً جديداً في هوّيتنا بحيث صارت أقرب الى حقيقتها التعددّية لكن المواجهات والمعارك السياسّية سيطرت على حقيقة وطبيعة المكوّنات الاجتماعية والثقافية وسحبتها الى جبهتها وهنا مكمنُ الخطَرِ لأن الصراع السياسي لايرحم وإن هيمنَتهُ على طبيعة هذه المكوّنات وتأريخها يُهدّدُ بتحولّها الى مرايا مهشمة داخل صورة الهوّية الكلية للشعب .
هنا يجب أن نَتَنَبَّهَ الى عدم ترك السياسة تستولى على ميراث وثقافة وامتدادات هذه المكوّنات التي باجتماعها تكتمل صورة العراق الحقيقية لأننا اذا تركناها فريسة سهلةً على الجبهات السياسية ستقضي حِدةُ الصراع وأخطارُه على الوشائج والتشابك العميق الذي يجمعُ هذه المكوّنات والذي هو وجه العراق التأريخي .
إذن سيتوجب علينا أولا ًحمايةُ هذه المرايا من التهشم وإبعادها عن خطر المواجهات السياسية والإيديولوجيه والعرقيةَ والدينيّة التي تضج بها الساحة “ الديمقراطية “ اليوم .
لكن هناك مصدر خطر آخر وهو خط الحماية الأهم في حال أن حدثَ للمرايا ان تتهشم ولو جزئياً كما يحدث في الحروب الأهلية.
هذا الخندق الحامي هو المتمثل بالجذور .. لأنه اذا كانت المرايا اكثر تَعَرٌضاً للخطر فإن الجذورتظل الحصن المنيع الذي يَصون الكيان …
إن الكارثة الاعظم تقع إذا ماتعرضت الجذور الى الخطر أي أن ينسحب صراع المرايا الى الجذور وتلك هي الطامة الكبرى ..
هنا نرفع شارة الخطر الى اقصاها ونحذّرُ من أن الصراع السياسي المشروع في الحياة الديمقراطية لايجب أن يتجاوز خطي الدّفاع هذين ؛ المرايا والجذور
واذا كانت المرايا أكثر عُرضةً للتهشم فان الجذور يجب أن تظل بعيدة كُلَّ البعد عن المواجهات الطارئة والحينيّة المرتبطة بالتحولات والرهانات السياسيّة.
لِنجعلَ من هذه الجذور الخطً الاحمَر الاقصى وأن تكون بمثابة «المنطقة المحرمّة» التي تحفُظ الملامح المؤسسة لوجه العراق
والتي تعلو فوق السياسة والايديولوجيات
والشخوص وكل أشكال الصراعات داخل الهوّية الواحدة .