عن ما قاله الذئب..

طالب عبد العزيز

إذا كانت واحدة من ميزات الكتابة اليوم، هي تعدد مستويات القراءة، أو اختلاف مستويات التلقي. فان صاحب (مرويات الذئب) لؤي حمزة عباس، قد عودنا في كتبه السابقة على ذلك، شخصياً، كقارئ، وجدته في كتابه الجديد هذا، قد ذهب فيه الى أبعد من مستوى ومستويين وثلاثة، وأظنُّ أن كتاباً كهذا، سيتيح لنا أكثر من فرصة للتأويل والاختلاف ربما، وهذه بغية أيّ كاتب اليوم، هؤلاء، يتحفوننا بما لا نقدر على رصده بالكامل، لكنهم يفتحون الافاق وسيعة.

كنت قرأت قصته الباهرة (كتاب الذئب) التي افتتح بها كتابه، منشورة في جريدة «بين نهرين» بعنوان آخر هو(خنجر في يد الخانقاه) وهي بحق واحدة من عيون ما كتب، درس حقيقي في الكتابة الابداعية. ففي المتحف، حين يقف لؤي حمزة عباس، أمام منحوتتي خانقاه حسين اوغلو الباكوي وممثل حكومة الاسكندر سيسيانوف الابيض، نقرأ واحداً من أجمل الحوارات، التي يمكن قراءتها في قصة قصيرة كهذه، حيث يحرك الكاتب عجلة الحوار بين تمثالين، منحوتتين، حتى أننا لنسمع في قاعة المتحف الدوي الهائل لحوار صامت، بين زعيم منتصر وحاكم لا يريد أن يستسلم، حوار تصنعه عينا الكاتب وهما تتاملان المنحوتتين من خلال ما يزيّن رأسيهما من رؤى وخيالات، فالخناقاه يدرك تماما أن الاستسلام واقع لا محالة، في الوقت الذي يدرك فيه سيسيانوف الابيض أنَّ انتصاره واقع لا محالة ايضاً.
وفي جانب ثان من القصة، يُعْلمنا لؤي، بأن كل ما تحدثت به موظفة المتحف بشأن (كتاب الذئب) لن يروي غليل المتلقي، ذلك لأن ظريفة خانم، مؤسسة المتحف، كانت قد جابت اقطار الدنيا، مستقصيةً، باحثة، قبل أن تعثر على نسخته الاصلية هذه، لكنها، لم تقع على كاتب له. وفي مكان آخر أيضاً سيكون حاكم باكو حسين أوغلو الباكوي، قد انهى الحوار بينه وبين ممثل الاسكندر سيسيانوف الابيض، بطعنة في خاصرته، وبخاتمة باذخة الجمال سيظل (كتاب الذئب) الذي رآه في المتحف بلا كاتب له، وسيذهب الكاتب(لؤي) الى غرفته في الفندق، وسط العاصمة الاذربيجانية، ليروي لنا فصولا جديدة في كتاب مروياته.
وفي قصة (طريق الغابة) نجد أنَّ أحد الصَبييّن يصطدم بشجرة، سقطت على الطريق، ثم يختفي الصبيُّ، فيما تظل الشجرة واقفة، لكن الصبيَّ الثاني، الذي اكمل دراسته، وتخرج في الجامعة، ثم تزوج، ما زال يأتي الشجرة، حيث سقط الصبي الاول ميتاً، ذات يوم، ويظل ياتيها ثم يأتيها صحبة ابن له، متوقعاً ومتاملاً أن يُفزع نداؤه الطيور. هل كان لؤي يريد أن يقول لنا بانَّ الصبيَّ الذي سقط نما ورقة في زاوية ما من جذعها، أو حط طائراً على احد أغصانها؟
يتغلب العقل النقدي عند لؤي على عقل الكاتب فيه أحياناً، فلطالما وجدتني سيئ الاستيعاب، بطيئَه، لبعض نصوصه، فأنا أقرأ النص واعيد قراءته ثانية وثالثة، وأقع في كل مرة على فهم ما، فاكتشف أنني عثرت على ما لم أعثر عليه في المرات السابقة. نصوص لؤي ليست عصيةً كما يبدو من كلامي هذا، لكنها تستدعي قارئاً مغايراً. ففي قصة قصيرة الى حد ما مثل (إنها اشجار حياتي وتلك اصواتها) وحين يشير الى وجود حيوان في جوف كل منا، فهو إنما يتحدث عن التماثل الخفي لحياة مشتركة بين الاثنين، وأن ثمة اناساً يعيشون داخل الاشجار الكبيرة العالية، ولأن الفكرة عصية علينا، سينسبها الى الحلم، ولن يكون الحلم التقليدي حلاً هنا، فهو يدرك ذلك، حين يُعلمنا بأن كل ما يحدث في القصة إنما يحدث في الحياة، وما الغابة والشجرة والحيوان إلا مشتركات حياتية، وإذا كانت تأتينا من محيطنا المُعاش، فهي تأتي من الكتب ايضاً. إذن، هو يتجاوز حدود خيالنا حين يُشرك خزانة الملابس والسرير واثاث البيت في تفسير ما غُمَّ علينا، أو ما لم يُسعفنا الخيالُ في تفسيره.
كثيرا ما أتهمُ لؤي دائماً بانه يجترحُ الاخيلة أكثر مما يستدعي الواقع. وقد يشاركني الرأي قارئون آخرون لكتبه. أعترف ثانية، بأنني كنت أحد هؤلاء، ربما لطبيعتي الميّالة الى الامساك أكثر من ميلها الى التأمل والتحليل، لكنني، أكتشف بانه كان على الجادة، وقد أضلتني قراءتي انا. ما يصنعه لؤي هو الاجمل، فهو أحد الذين اعادوا لنا صوغ الواقع، عبر خيال جامح، قلما هدأ، ففي كل قصة من الكتاب، كنت أقع على حلم، وما هو بحلم، هو واقع تجاوز بغرائبيته حدود الحلم نفسها..
ففي قصة (مقارعة الاصوات) يُجِّهز حاكم الولاية، الذي لم يألُ جهداً في مقارعة خصومه، وبعد سنوات من الحروب والقتال، يجهّز جيشاً لمحاربة الاصوات، التي كانت تبعث بها الريح والاشجار، لكن، لا أحد من جنوده يعود من الحرب تلك، فيختفي الجيش الذي اختاره من أكثر قواده حِنكة وبسالة. هكذا أراد لؤي أن يقول لنا بأن حروباً، غير مرئية، هي الاشد فتكاً ليس بنا، نحن الضحايا حسب، إنما بالملوك والقياصرة ايضاً.
لا يُعنى لؤي بهيئات شخوص ومقتنيات قصصه عن قرب، قدر معاينته لها عن بعيد، هو يستغورها، يصغي لإنقسامها وتشظيها، ويغوص في أحشائها، فيستل منها مادته، التي لن تكون على وفق ما نرى ونسمع، هو يذهب ابعد من ذلك. حين القى الطائر في قصة (البرعم) بالحبة الصغيرة، وحين حفر الرجل باصبعه الواهنة الحفرة، بين الاحجار وأنبتها البرعم الاخضر… سيكون بذلك قد اضاف عنصراً جديداً في القصة، اضافة لحياة كانت مفردة، يائسة. لقد بات بمقدور الرجل أن يحلم. حيث لا نهاية هنا.
بتصور أولي تبدو كل قصص (مرويات الذئب) قصيرة، لا ترهق قارئها، وفي تكثيف قلما نجده لدى كتاب آخرين، يمنحنا لؤي جملاً ثرية، عميقة، سنقف عندها متاملين كاتباً يعلم كيف يربك ذائقتنا القرائية، فهو لا يسمّي أبطال قصصه إلا نادراً، لكنه، يبدأها بجملة فعلية مثل: (وحده يعرف أن ثمة أناساً يسكنون المصابيح) أو (إنهما يفضلان ركوب دراجتيهما) او( في لحظة عميقة من الليل التقط صوتا غريباً) أو (مع أنه يحب الاشجار .. شغوف بها .. تقلب أعواماً) أو (كان قد انتهى من ملاحظة اعدائه المعلومين) او (أنه يعيش في غرفة صغيرة ضيقة) .. وهكذا سنكون معه غير محتاجين الى التسميات، التي يعتقد أنها تضيّق من فسحة التأويل، أو تقوّض من مساحة الحلم، الذي يريده لا نهائيا دائماً.
مثلما استوقفتني قصة (كتاب الذئب) التي تحاكي الواقعة التاريخية استوقفتني قصة (نقش على خاتم) التي تحاكي ذات الواقعة، وهنا اجدني، منساقاً لتذكر (ادواردو غاليانو) في كتابه (ذاكرة النار) حين يختلط ما هو ابداعي بما هو تاريخي، وهو صنعة جديدة في الكتابة، ففي القصة هذه، يأخذنا لؤي الى شيء من أطروحة الدكتوراه، خاصته، في الامثال، ومع المفضل الضبي راوية الشعر والضبَّي صاحب المفظليات نحار أيهما يقصد، ثم يشرك الخليفة الرشيد بالشعر وبالخاتم، لينتج لنا نصاً يخرج الذئب فيه من فصِّ الخاتِم الثمين الى البرية فالعواء الابدي، في موائمة قد لا نجدها في نصوص اللغة التي كتب بها غاليانو، حيث تمنح العربية كاتبها بعداً خامساً قلما تنطوي عليه لغة أخرى.