غابت سُلافة…ولم يغب تاريخها

بقلم / نغم نزار

سلافة كانت البداية…. كانت الفكرة… فتاة فلسطينية تعشق فلسطين، قررت ان تشق طريقها وسط الرجال وعمليا هي لم تختلف عن المقاتل في أرض المعركة المقاتل يدافع عن حقه بسلاحه وهي تدافع عن حقها بعدسة كاميرتها.
سلافة جاد الله، اسم لم يتكرر كثيرا في وسائل الإعلام الفلسطينية ولا يعرفه الكثير ممن مروا في مسيرة الإعلام الفلسطيني، على الرغم من أنها وضعت اللبنات الأولى لمؤسسة التصوير والسينما الفلسطينية .

سلافة محمد سليم جاد الله من مواليد 1940، وهي ابنة مدينة نابلس. جبل النار ..تربت في أسرة تمتهن التصوير الفوتوغرافي لان اخيها الاكبر ريماء كان يعشق مهنة التصوير وصاحب استوديو ريماء بمدينة نابلس، سلافة درست المرحلة الابتدائية والثانوية في مدرسة العائشية في مدينة نابلس ولكن حبها للتصوير كان الطريق الطويل امامها لتصنع الصورة الجميلة لمدينتها نابلس اخذت هذا الحب والعشق من اخيها الاكبر ريماء الذي منحها علمه في التصوير ومن هنا انطلقت سلافة في عالم التصوير وفي نهاية الخمسينات ذهبت الى القاهرة والتحقت بمعهد السينما لدراسة السينما لتكون اول فتاة عربية تدرس السينما في فلسطين ولتطوير خبرتها بالتصوير السينمائي لتكتمل موهبتها لتشارك في تصوير الفيلم المصري «الجبل»، مع مدير التصوير المصري المعروف وحيد فريد، وكانت مشاركتها بهذا الفيلم للتخرج وكانت ضمن الفوج الأول الذي تخرج في المعهد عام 1964 وهي أول سينمائية فلسطينية تتخرج في المعهد العالي للسينما قسم التصوير السينمائي كأول مصورة سينمائية عربية وايضا ضمن الفوج كانت المخرجة اللبنانية نبيهة لطفي .
حققت سلافة فيما بعد حلمها بكاميرتها التي كانت ترافقها دائما في تصوير أحداث الثورة الفلسطينية وشهدائها فأسست قسم التصوير الفوتوغرافي التابع لحركة التحرير الوطني الفلسطيني ( فتح ) الذي تطور فيما بعد إلى ” وحدة أفلام فلسطين” مؤسسة السينما الفلسطينية حيث ان هدفها هو الدفاع عن القضية بالصورة والفيلم .
في البداية كان مقر القيادة الفلسطينية أي ( قيادة قوات العاصفة كاملة ) مختار بعباع كان المسؤول عن ملف الشهداء تعرف على سلافة وبحكم العلاقة مع اخوها ابو سليم اوكلت سلافة بعمل التصوير الخاص بملف بالشهداء وكان كل عملها في بيتها … ولكن الاحتياجات اخذت تتسع وتكبر والحركة اصبحت بحاجة الى توثيق وبما ان الصورة هي الوجه الحقيقي الثابت للناظر والتي تنطبع في المخيلة فورا ولا يستطيع احد ان يمحوها … عند اذن طلب من سلافة العمل في مقر القيادة في جبل اللويبدة ولعدم وجود غرفة فكان الاختيار ان يقسم المطبخ الى قسمين مطبخ ودركروم ليتم تحميض الافلام الفوتوغرافية وطباعة الصور التي تخص الشهداء وبعض المقابلات مع القيادة …. ولكن اتسعت الفكرة للعمل بالصورة فتم استئجار بيت في منطقة جبل عمان وفي هذا المقر تخرج دورتين في التصوير الفوتوغرافي وكان المشرف على الدورة الشهيد هاني جوهرية والمناضلة سلافة سليم جادالله، ولكن المنطقة اصبحت غير آمنة وتم نقل القسم الى حي بجبل الجوفة وفي هذا المقر الجديد كانت معركة الكرامة قد حطت اوزارها وبدأت العمل، ويبدو أن تصوير الشهداء لم يرض طموحها ورغبتها في خدمة قضيتها، فانطلقت لتصوير المخيمات والمعارك ومنها معركة الكرامة التي شكلت صورها أول معرض للصور في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة، وفي هذا المعرض تم عرض ما يزيد على مائة و80 صورة فوتوغرافية مكبره بحجم 50بـ 60 بالإضافة إلى مخلفات الأسلحة وجنازير الدبابات المدمرة والناجمة عن المعركة وتوزعت مواد المعرض على 11 خيمة. وكان المقر الذي اقيم به المعرض هو مخيم الوحدات، كانت سلافة جريئة جدا، لم يكن احد يماثلها في جرأتها وحبها لعملها واخلاصها له، وكانت وطنتيها صافية لا يعلو عليها شيء .
وفي نهاية العام 1968 خرجت رصاصة بالخطأ من مسدس أحد المصورين بالوحدة لتستقر في رأسها، واحتاجت لوقت طويل لتشفى، وقد تركت الرصاصة آثارها للأبد بشلل نصفي، وبعد فترة من إصابتها تقدم كمال لخطبتها لكنها رفضت طلبه خوفا من أن يكون طلبه بدافع الشفقة والشعور بالذنب.
وظلت سلافة على تماس مع العمل من خلال زيارة زملاء لها، والذين كانوا يحرصون على ابقاء علاقتهم مع سلافة متواصلة لها بصورة دائمة، وغابت أخبارها عنهم بعد الخروج من الأردن، حيث استقرت في دمشق مع شقيقها «ابو سعد» كما كانت تأتي الى بيروت لتزور القسم وتقدم الارشادات للمصورين فيه .وقد شارك سلافة المصور هاني جوهرية في مسيرة العمل في تلك المرحلة من عمر التصوير و كل من: ‘ناصيف’، وإبراهيم ناصر المعروف، باسم مطيع، ونبيل مهدي، وعبد الحافظ الأسمر المعروف باسم ‘عمر المختار’.
وكانت وحدة التصوير هذه على علاقة مباشرة مع كل من ممدوح صيدم «أبو صبري» وأبو جهاد، حيث كان قسم التصوير يصور بعض الوثائق العسكرية التي يحضرها أبو صبري مع بعض المواد الأخرى، ومن ثم يقوم بتحميضها وطباعتها كما يطبع الصور.
أما عن علاقة أبو جهاد بالقسم فكانت تتركز على تصوير العمليات الفدائية خلف خطوط العدو، فكان أبو جهاد يأتي لاصطحاب المصور وجمعه بالمجموعة الفدائية التي ستقوم بالتنفيذ، وهو من طلب من مطيع الالتحاق بالتصوير كونه كان يعمل في استوديو في الكويت قبل انضمامه لصفوف الفدائيين.
وكانت معركة «الحمة» أولى المعارك التي تم تصويرها فوتوغرافيا وسينمائيا في نهاية العام 1968، وفيها تمكن الفدائيون من السيطرة على الحمة الفلسطينية لمدة ست ساعات، واستشهد فيها عدد كبير من المقاتلين أشهرهم كان خالد أبو العلا، الذي استشهد وأصيب برصاصة جندي إسرائيلي من خلف سياج لكنه أبى إلا أن يقوم بقتله قبل استشهاده في هذه المعركة، كما قيل من رواة عايشوا المعركة.
وتوفيت المبدعة سلافة جادالله بدمشق عام 2002،
تاركة بصمة مشرفة في القطاع السينمائي في فلسطين سيبقى الجميع يتذكرها.
ومن الجدير ذكره ان مهرجان المرأة السينمائي الفلسطيني يقدم جائزة «سلافة جادالله السينمائية» السنوية والتي أنشئت منذ ثماني سنوات، حيث منحت في العام 2005 إلى المخرجة الفلسطينية الراحلة «جادالله» نفسها التي سميت الجائزة باسمها، وأيضاً للمخرجة البريطانية «كيم لونجينوتو»، ثم في 2006، للمخرجة الفلسطينية من الناصرة «ندى اليسير»، وفي 2007، للمخرجة الهندية الكندية «ديبا مهتا»، وفي الدورة الرابعة 2008 ، للمخرجة اللبنانية رندة شهال صباغ، وفي الدورة الخامسة 2009، كرمت المخرجة الفلسطينية الفرنسية ماريز غرغور واللبنانية نبيهة لطفي ومنحتا جائزة المهرجان مناصفة، وفي الدورة السادسة 2010، حصلت المخرجة اللبنانية هيني سرور على الجائزة، وفي الدورة السابعة حجبت الجائزة، أما في الدورة الثامنة فقد حصلت عليها المونتيرة رباب الحاج يحيى.