غاندي شخصية الروح الهندي الثقافي

ميثم الجنابي

لقد قال عبد الرحمن السلمي يوما بأن الزمن في حاجة دوما للأولياء والدعاة. انهم اولئك الذين «يثبتون ظواهر الشريعة وبواطن الحقيقة ويحملون الأمة على آدابها». ووجد فيهم خلفاء الأنبياء. وفيما لو ازلنها الأبعاد اللاهوتية في هذه العبارة، فان مضمونها يبقى جلياً بمعايير الحقيقة. بمعنى، أن الأمم في مسار التاريخ بما في ذلك المعاصر مازالت بحاجة الى «أولياء ودعاة»، أي إلى قادة ومفكرين يرتقون الى مصاف «النبوة» التي تعني بمعايير الحقيقة الالهام الصادق في التعامل مع النفس والآخرين والواقع والآفاق. وهؤلاء بدورهم هم التجسيد الفعلي لسريان وفاعلية الأصول الثقافية والفكرية والروحية للأمة في كينونتهم الذاتية.

فالأصول الثقافية والفكرية والروحية تسري في صيرورة الشخصية وبيانها كالدم في العروق، أي أنها تحدد الارتباط الصميمي في المواقف من إشكاليات الوجود الطبيعي والماورا طبيعي بما يتناسب مع إدراك هذه الأصول وكيفية توظيفها في زمانها. الأمر الذي يحدد أما ارتقاءها إلى مصاف الروح في تاريخ الأمم وإما إلى اضمحلالها في أشباح الزمن العابر. وهذا هو شأن كل الشخصيات التي لعبت دورا بارزا وهائلا وتأسيسيا في ارتقاء الأمم من حالة إلى أخرى في مسارها التاريخي الثقافي.
وقد أدى هذا الدور في حياة الهنود المعاصرة المهاتما غاندي(1869-1948). وقبل ان يرتقي إلى مصاف المهاتما (الروح الكبرى) كان مجرد مهندس كَرمْجاند غاندي، شانه شأن ملايين الهنود الهندوس. فقد انحدر غاندي من عائلة متوسطة متدينة وصارمة في تمسكها بالهندوسية. تزوج وهو في الثالثة عشر من العمر، وأنهى دراسته للحقوق في بريطانيا، بعد رجوعه للهند لم يوفق بالعمل، سافر إلى أفريقيا الجنوبية، وهناك أخذ بالدفاع عن الهنود واستعمل للمرة الأولى أسلوب النضال السلمي، أو ما يطلق عليه بسياسة اللاعنف. وبعد رجوعه إلى الهند اخذ بتطبيق فكرة ومبدأ الصراع السلمي من اجل الاستقلال. وتتوج صراعه في حصول الهند على استقلالها الأولي. وكانت الخاتمة المعنوية لسلوك الفردي والاجتماعي القومي والدولتي والروحي ان حصل على لقب المهاتما، أي الروح الأكبر أو النفس الزكية والذي أطلقه عليه الشاعر الهندي الشهير روبندرانات طاغور.
لقد كانت هذه الخاتمة المعنوية نتاج مسار معقد لكنه موحد من حيث محاولته التوليف النقدي الحي والمعاصر لتراث القدماء والمحدثين. اذ كانت حصيلة أفكاره ومواقفه مستمدة ومعتمدة على التراث الهندي الفلسفي والديني الكبير (بهاغافادغيتا، وماهابهارات، واليوغا، ومختلف تيارات الفلسفة الهندية) التي استمد منها وأسس عليها فكرة الساتياغراها والاهيمسا بمعايير المعاصرة والصراع السياسي. الأمر الذي جعل من فكرته عن النضال السلمي ليست نتيجة كمية وانتقائية لمختلف التيارات العصرية التي تأثر بها إلى جانب الهندوسية والبوذية والجاينية والإسلام والنصرانية، مثل تأثره بفلسفة الأديب الروسي الكبير ليف تولستوي وفكرته عن عدم مواجهة الشر بالعنف، وبفكرة العصيان المدني التي بلورها وطبقها الشاعر والأديب الأمريكي هنري ديفيد ثورو، وبفكرة الكاتب الاجتماعي والأديب الانجليزي جون راسكين حول إمكانية حل المعضلات والمشاكل الاجتماعية بالطرق السلمية دون الرجوع إلى العنف بمختلف أدواته وأساليبه.
لقد بلور غاندي استنادا إلى هذا التراث القومي الديني وتجارب الآخرين ما يمكن دعوته بالغاندية السياسية المتروحنة، اي تلك التي تأثرت بمختلف التيارات وصهرها بتقاليد الهندوسية الصوفية المتسامية. فقد بلور غاندي المصطلح السياسي الفكري للصراع ضد الاستعمار البريطاني (حسب لغة كوجرات) ساتياغراها والتي تعني الوقوف بالحقيقة أو البقاء في الحقيقة، وفي جانبها العملي تعني الشكيمة في مواقف الحقيقة.
وشكلت هذه الفكرة مضمون وأداة الصراع العملي ضد الإنجليز، حيث احتوت على بعدين أو مستويين وهما الصراع السلمي والمقاطعة المدنية الشاملة. واتخذت آنذاك حالة مقاطعة البضائع الانجليزية وشراء البضائع الهندية فقط، ومقاطعة مؤسسات الدولة والجيش والشرطة والألقاب وما شابه ذلك. قد كان ذلك البعد الظاهري أو المادي المباشر منها. أما البعد الباطني والحقيقي والجوهري فيقوم في سعيها إلى التأثير على عقل وضمير المقابل والعدو أو ممن تختلف معه بطريقة تجعله ان لم يكن صديقا فعلى الأقل محايدا، ومن ثم سحبه صوب مواقف العقل الحر والضمير الإنساني في المواقف من نفسه والآخرين. فالعنف، حسب فكرة غاندي المستوحاة من أثر الاهيمسا والساتياغراها يولد العنف، بينما يقطع الصراع السلمي أو اللاعنف سلسلة العنف، وبالتالي فان الوقوف بالحقيقة (ساتياغراها) هو سلوك الشجعان والإرادة القوية وليس سلوك الضعفاء والجبناء. وذلك لان حقيقة «الوقوف بالحقيقة» تعني مبادئ التمسك بالحقيقة، وقوة الحقيقة، وقوة المحبة، وقوة الروح. ولهذه الحقيقة أو مجموعة الحقائق نذورها الأساسية والإضافية. فالأساسية هي الحقيقة والمحبة (اللاعنف) والحكمة والتنازل عن الملكية الخاصة، أما الإضافية فهي الشجاعة، والاعتدال، والأمانة، والعمل الضروري، والاعتراف بالأديان جميعا ومساواتها، ورفض العصمة أو أهل السادة، والانضباط الذاتي.
وبغض النظر عن المصير المأساوي لغاندي نفسه ومقتله على يد أتباعه، إلا انه استطاع ان يرتقي بالهند من المرحلة الدينية السياسية إلى المرحلة السياسية الاقتصادية، أي إلى مرحلة الحداثة والمعاصرة الحية. فقد كان مصيره الشخصي جزء من معترك السياسة، بينما كان نجاحه السياسي نتاجا ملازما لكيفية حل إشكاليات الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للقارة الهندية وشعوبها وأديانها واثنياتها العديدة. ومن ثم التأسيس الناجح للانتقال إلى المرحلة السياسية الاقتصادية والبقاء ضمن حقيقة الانتماء الذاتي (الهندي-الهندوسي).
فقد كانت الغاندية هندوسية عملية محسنة وأخلاقية، من هنا قوتها السياسية الهائلة في الصراع ضد الغازي الأجنبي، وضعفها النسبي في التوحيد الداخلي بعد الاستقلال.
تقدم الغاندية العملية احد النماذج الرفيعة والناجحة على المستوى القومي والثقافي والتاريخي عن كيفية التوظيف الناجح في تذليل أصول الثقافة الدينية السياسية بالاستناد إلى الأصول القديمة نفسها ولكن عبر نفيها العملي بمعايير المرجعيات السياسية الاقتصادية للحداثة.
ان الوقوف بالحقيقة من حيث طابعها المجرد هي الصيغة الوحيدة القادرة على صنع قادة تاريخيون. ويمكنها ان تتخذ مختلف الصيغ والألوان حسب نماذج التجارب التاريخية للأقوام والأمم. وقد جسد وحقق التصوف الاسلامي من حيث الصيغة والصياغة والمضمون الأخلاقي والمعرفي المتسامي هذه الفكرة كما هو جلي في فكرة «من الخلق إلى الحق، ومن الحق إلى الخلق» بوصفها الصيغة الفردية للمقام المتسامي في الفكرة الصوفية عن «الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة». اذ تحتوي هذه الصيغة على إمكانية صنع قادة الحق وليس قادة أبطال. ويكشف تاريخ الأمم الكبرى عن انجازاتها التاريخية الكبرى عادة ما ترتبط بقادة الحق. وبالنسبة لنا فان تجربة النبي محمد هي احد الأمثلة الرفيعة والدقيقة والكبرى. ومع أنها لم تكن صوفية بالمعنى التاريخي الثقافي، لكنها صوفية روحية عملية متسامية حققت أهدافها من خلال نفي أصول الوثنية والجاهلية بمبدأ الوحدانية ومن ثم صنع مرجعيات الوجود الاسلامي على مستوى الوجود الطبيعي والماوراطبيعي للفرد والجماعة والأمة. وليس مصادفة ان يكون التحدي العملي السياسي والروحي والأخلاقي تجاه الغزو الكولونيالي الأوربي الحديث من جانب الشخصيات المتربية بروح التصوف المتسامي كالمهدي في السودان، وعبد القادر الجزائري والسنوسي في المغرب العربي الكبير، والأفغاني وعبده في مصر والمشرق العربي، بينما وقف «الاسلام الرسمي» إلى جانب العثمانية المتهالكة بالسلطة ودسائسها المخربة بما في ذلك تعاونها المباشر وغير المباشر مع الكولونيالية الغربية في احتلالها للعالم العربي (وقد يكون مثال الاحتلال الايطالي لليبيا من بين أكثرها وضوحا وخسة).
غير ان هزيمة هذا النوع يكشف عن طبيعة ومستوى التجزئة والانحطاط الذي تعرض له العالم العربي آنذاك من جهة، وتفاعل أسباب سياسية وثقافية كثيرة وكبيرة أعاقت إمكانية التوحيد العملي للمواجهة. ومن ثم بلورة شعارات الصراع العملي بما يتناسب مع تقاليد الاسلام الروحي عن الحق والحقيقة. لاسيما وأن التصوف كان يختزن هذه الإمكانية الفكرية والوجدانية. إذ نعثر على هذا الخزين المتنوع عند جميع المتصوفة الكبار بلا استثناء. وقد تكون «مواقف» النفري من بين أكثرها كثافة ووضوحا. اذ أبدع في مجرى تجربته الصوفية فكرة الموقف والمواقف في الحقيقة، انطلاقا من ان الحقيقة لا تتناهى إلا في المواقف. وبالتالي، فان حقيقة المواقف حركة لا تتناهى، كما وضعها في عباراته القائلة:
لا ديمومة إلا لواقف
ولا وقفة إلا لدائم
نقف هنا أمام الديناميكية المرافقة لمغامرة الفناء في الحق والبقاء في الحقيقة. فمن أطرافها تتكون وحدة المواقف. إذ لا ديمومة بالفعل إلا في المواقف، كما لا وقفة إلا لدائم،لان كلاهما يفترضان وجود المعنى، الذي قصده النفري في إحدى مخاطباته التي يطالب فيها الحق الإنسان بالنظر إلى كل ما في الوجود كيف يقف، إلى ان ينتهي بضرورة النظر إلى القلب. ثم يختمها بعبارة «أن لي قلوبا لا تقف في شيء، ولا يقف فيها شي».
إننا نقف هنا أمام علم وعمل لا ينتهيان، ومن ثم يلزمان القلب الفاعل بالحركة الدائمة تجاه كل ما في الكون، اذ «الكون موقف»، كما يقول النفري، أو ما اسماه «بما وراء المواقف». وهي الصيغة القادرة على ان تكون شعارا للإبداع في مختلف مجالات الحياة، فيما لو جرى تطبيقها حسب الحاجة والضرورة ورؤية المستقبل العام للفرد والجماعة والأمة.
ان أهمية هذه القضية تكمن أولا وقبل كل شيء في فاعلية وقوة الروح الأخلاقي المتسامي، بوصفه القوة القادرة على لم الشمل، وتفعيل الوجدان، وتنبيه العقول بالنسبة للأغلبية الساحة في اناس المرحلة الدينية السياسية. من هنا قيمة الأخلاق والسمو الروحي بالنسبة للتوحيد الاجتماعي. ومن الممكن ان نتخذ من فتوى علي السيستاني للدفاع عن العراق ضد قوى الهجمة الهمجية للسلفيات الإسلامية المتشددة نموذجا على ذلك. فالأحزاب السياسية وقادتها من دينية أو دنيوية، وطنية وقومية، «يسارية» و»يمينية» تقليدية وليبرالية، لم يكن بإمكانها ان تجمع فوجا عسكريا فيما لو استعملوا كل الإمكانيات المادية الهائلة التي بحوزتهم، بينما كانت تكفي بضعة عبارات من شيخ «مختبئ» في احد الأزقة الخربة للنجف لكي يجري تحشيد الملايين في غضون سويعات. ومن الممكن ان نرى صدى هذه الحالة في قدرة الزعماء الأوائل للصعود القومي والوطني العربي الحديث كما هو الحال في شخصية جمال عبد الناصر، وعبد الكريم قاسم وأمثالهم. والسبب الجوهري يكمن هنا في شخصيتهم الأخلاقية والروحية المتسامية أولا وقبل كل شيء، وليس في برامجهم وحنكتهم السياسية. بينما نشأت مئات الأحزاب وما يماثلها من «قادة» و»زعماء» و»ملوك» و»أمراء» لا يمتلك أي منهم بذاته على ذرة من القدرة المؤثرة على عقول وقلوب البشر. بل لا تجد في عيونهم الباهتة ورؤوسهم الخاوية سوى خواء القلب، وعواء الغريزة، وضعف الارادة، وانعدام الشكيمة والعزيمة، بحيث أصبح مجرد رؤيتهم مثيرا للتقزز والاشمئزاز. وذلك لأنهم مجرد أكياس خراء!
أما في المرحلة السياسية الاقتصادية (المهيمنة) فلا حاكمية إلا للفكرة السياسية الوضعية، والعقل العملي، والمصالح الاقتصادية، والنزعة النفعية. من هنا ضعف قيمة القائد والزعيم والبطل التقليدي. وعوضا عنها تظهر قيمة الرئيس الفاعل بقوة المصالح القومية والقانون. وهذا بدوره ليس إلا الهرم القائم على اساس المنظومة السياسية-الاقتصادية والحقوقية والعلاقات الاجتماعية والمستوى الثقافي المناسب وتكامل المجتمع المدني بمختلف مؤسساته ومستوياته.
وعموما، ان لكل حال مواقف، ولكل موقف أحوال. أما الانتقال من الطور الديني السياسي إلى الطور السياسي الاقتصادي فيفترض بالضرورة تذليل عقبات التطور التاريخي الثقافي المميزة لتجارب الأمم. فإذا كانت التجربة الغاندية استندت إلى فكرة الكفاح السلمي والوقوف ضد العنف من خلال توظيف التقاليد الروحية والعملية للهندوسية والهنود، فأنها لا تصلح بالنسبة للعالم العربي (والإسلامي عموما). وإذا كان من السهل تطويع انقياد الهنود، بأثر البنية الاجتماعية للطبقات (أو الألوان الاجتماعية)، فان انقياد العرب (والشعوب الإسلامية) يحتاج إلى «عصمة» (أو كاريزما) من نمط آخر، بسبب كون الشعوب العربية والإسلامية جميعا لن تعرف في تاريخها العبودية. من هنا يصبح انقيادها صعب للغاية ولكنه ممكن في حالة بلورة الشعارات العملية القادرة على استقطاب الأغلبية لتجاوز عقبات الرقي التاريخي الثقافي صوب الانتقال إلى المرحلة السياسية الاقتصادية. بمعنى أنها تفترض بالضرورة هيمنة الشخصية المتروحنة في سلوكها السياسي، والتي لم يحققها في العالم العربي المعاصر سوى الشيخ حسن نصر الله. غير ان ما يحد من قدرتها الحالية هو محيطها اللبناني الضيق والمتعجرف في طائفيته المتأصلة، وعداء البنية التقليدية «لليسار» و»اليمين» وطوائف البترودولار الخليجية التي تمثل احد اشد و»أتم» نماذج الانحطاط الأخلاقي والقومي العربي على مر عصوره.