فاليوم عشرة رواية الفجيعة والبوح

باسم عبد الحميد حمودي

صدرت الطبعة الثانية من رواية(خضير فليح الزيدي) الفائزة بجائزة الإبداع ا لعراقي لعام 2017 تحت عنوان(فاليوم عشرة) في نهاية عام 2018, وهو أمرمفرح أن تصدر رواية عراقية بطبعتين في زمن قصير يؤشر أهمية الرواية وحذق كاتبها في الصياغة واختيار موضوع العمل الدرامي الذي أنبنت عليه التجربة التي استحقت طبعتين في وقت متقارب, وكم من رواية عراقية لم تشهد رواجا وظلت أكداسها مهجورة لا تجد من يقتنيها الا من ابتلاه الله–مثلنا –بفايروس البحث والقراءة.
والرواية الناجحة هي الرواية التي يشدك كاتبها المقتدر اليها منذ المفتتح. منذ الجملة الأولى حيث تبدأ التعامل معها ولا ينسى أحد مفتتح رواية (المسخ) لفرانزكافكا حيث وجد بطلها غريغور سامسا ذاته وقد تحول الى حشرة ضخمة تدب.
(فاليوم عشرة) تبدأ سطرها الأول باعلان بيان رئاسي يتداخل مع خطبة الخليفة في الموصل!

هذا التداخل بين موقفين وشخصيتين مأزومتين تدخلنا الى عالم الرواية التي انصرفت عنهما لفترة لتدخلنا اسار تجارب أخرى ناتجة عن المشكلات التي خلقها وجود هذين في تداخلهما الروائي المبني على نسيج فكري متقارب ومتباعد معا .

(فاليوم عشرة) رواية مستفزة,مؤذية, تطرح الوجع العراقي بشكل غريب,اختار الكاتب فيه نماذج بشرية عراقية تعيش أزمة العيش المؤلمة في وطنها وفي خارجه.
لا أثر لفرحة واحدة في هذه الرواية سوى استكانة (أبو العوف) لحياته الحالية وقبوله بها برغم أن الداخل التاريخي لابي العوف المتفائل ظاهرا يشي بحريق غريب يختلف عن (حرائق) الآخرين من شخوص الرواية, لم يكشف الكاتب سره الا في نهاية الرواية, فقد كان ابنا لامرأة زنت كثيرا منذ حرب الثمانينات وعاشرت رجالا من جنسيات مختلفة حتى لفظت ابا العوف هكذا!

راوي (الحكاية الاساسية-النص ) هو سلام عبد الله الوافي شقيق العقيد غسان وزوج نادية الحلي- ,وعشيق سليمة حنظل-أم أصيل وأخته سالي,وهي امرأة تجاوره في منفاهما الاختياري في (كندا) مع مجموعة منفيين اختيارا ! وبداية الرواية ترتبط تماما بنهايتها,يعكسه الشريط الدوكامنتري الذي انتجته شركة اعلامية كندية متخصصة عن واحدة من الفجائع العراقية يكون الراوي سلام منتجا وبطلا معا .
كلفت الشركة السيد سلام المقيم في كندا بانتاج فيلمين أولاهما عن (الغجر في العراق) والثاني عن (الحياة العراقية اليوم بعد التغيير).
أن خضير الزيدي يداخل عدة محاور سردية في البنية الاوسع عندما نتتبع حركة البطل الاساسي(سلام) وهو يتحرك ضمن اطار حياته المتعبة, فهو معد أفلام وثائقية قدم في الفصل الأول من الرواية (لعبة الرئيس المفضلة) شريطا اوليا قامت بانتاجه شركة(جو) وباعته الى شركة فرنسية,وكان سلام فيه البطل الرئيس وشاركه معظم شخوص الرواية, حيث قدمهم الشريط واحدا بعد الاخر ليحكوا ارتباطهم بسلام ابتداء من(أبو العوف) بائع حبوب الهلوسة ومرورا بسليمة حنظل وهاتف الصراف المنج والمسوق وصديقة جاد الله الصومالي الكندي الجنسية الذي يحز من نوبة حبوب الى اخرى,الى أصيل يوسف أو أصيل عبد الحميد أبن سليمة(الذي كلفت سليمة سلام الوافي يسحب ابنها من بغداد الى كندا بعد ان تركته طفلا تبنته اسرة مسلمة),الى الدكتور ناعم الذي لعب على الجميع في الرواية.
قد يبدو هذا العرض الملخص للفيلم الاول مشوها لاحتشاد شخوصه وتداخل تفاصيل علاقتهم بالبطل,لكن الروائي حاول في هذا الفصل تقديم معظم الشخصيات المؤثرة في هذا العمل السردي باستثناء شقيق سلام وهو العقيد غسان وزوجته الذي كان مصابا بفقدان الذاكرة والرعاش بعد معاناته الطويلة من خسارات حروب متعددة بدات بالأنسحاب القسري من أرض ايران خلال حرب الثماني سنوات ثم الدخول في هزيمة جديدة مع قوات شوارزكوف تتوجت بعد هذا بالهزيمة أمام قوات التحالف الدولية في حرب 2003 حيث عاد غسان حافيا متخففا من ثيابه العسكرية ليقع اسير شتات ذهني تعايش معه حتى جاءت تجربة (الموصل ) عندما استطاع الدواعش تخريبها بعد أن تركها الجيش ليجد العقيد غسان الوافي في حبوب الهلوسة ملاذا اثار رعب زوجته ودفع شقيقه سلام للبحث عن مورد مالي يوفره ليستطيع علاج اخيه.
..هكذا أتفق سلام الوافي في كندامع الوكالة الاخبارية لعمل عدة افلام عن العراق وهو يعاني ازمة الحرب مع داعش ونتائجها اضافة الى افلام اخرى,وكان بذلك يسعى الى جلب عائلته الى كندا وعلاج شقيقه وتنفيذ وعده لسليمة بجلب ولدها اصيل الذي كبر وعمل مستخدما في دائرة مهمة من دوائر الدولة الجديدة.
في مقهى رضا علوان يلتقي اصيل الذي بدا مرعوبا لسرقته قرص حاسوب صلب من دائرته قلبت الدائرة كل محفوظاتها بحثا عنه وهددت واغرت دون جدوى.

لايدري (أصيل) لم فعل هذا وقد حاول أن يفك شفرة القرص فما استطاع فصارح سلام الوافي بمخاوفه وبدا سلام بالبحث عن حل فاتصل بهاتف الصراف ومنه باخرين وصولا الى الدكتور ناعم الذي استطاع بالترهيب والترغيب اقناعهم باستلام مبالغ من المال ارضتهم مرغمين,
بذلك استطاع سلام نقل اخيه الى بيروت للعلاج ونقل اصيل الى والدته في كندا ثم اعادة أخيه الى بغداد.
الى هنا وتبدو الحكاية الاساسية قد انتهت بالنجاح السعيد لكن الروائي يضعنا في مأزق جديد أعاد المأساة على نحو فجائعي.
كان سلام قد اتصل في بغداد بجماعة من الشباب أطلقت على اسمها جماعة(كفى) تعد لتنظيم عملية انتحار جماعي احتجاجا على ماحدث ويحدث,وهي عملية جرت مثيلاتها في التاريخ ,في (جونز تاون) الامريكية حيث نفذت أكبر عملية انتحار جماعي وحدث مثلها ,على نحو أقل في أماكن اخرى من العالم ,ومنها ما نفذه كتاب مرموقون بشكل احتفالي مثل الروائي الياباني يوكيو ميشيما عام 1970 احتجاجا على فشله في إعادة تنصيب الامبراطور الياباني(ألها) يمتلك صلاحيات ماقبل الحرب العالمية الثانية !

كان على (سلام ) أن يحضر الحفل الذي أقيم في كراج او قاعة مهجورة وان يصوره لفرط الدهشة التي ستصيب المشاهد وهو يشهد رجالا ينتحرون بأبر السيانيد واحدا بعد الآخر بعد ان يخدر كل واحد منهم بحبوب الهلوسة التي تدفعه للراحة النفسية والحديث الختامي عن حياته وهو يموت امام الجالسين .
كان عاشر المنتحرين الذين يرفضون الحياة بشكلها الحالي هو العقيد غسان الوافي شقيق الراوي العليم وبطل الرواية (سلام الوافي), بذلك ضاعت جهود سلام تماما وضاعت حيوات الشباب الذين زفوا الى الموت بنقرات الدفوف.
تتداعى الاحداث في هذه الرواية المتخمة بالفجائع لتصل الى ذروتها هنا,حيث يسأل سلام ملتاعا صديقه بائع الفاليوم عشرة وحبوب الهلوسة الأخرى: هل الأمر عادي جدا كما تقول دوما؟
لاجواب سوى استعادة قراءة هذه الرواية التي تركنا منها فجوات اخرى مثقلة بالحزن والوحشة والألم الشفيف.