فان خوخ والاشهار التجاري.. استثمار مادي.. وتعسّف روحي

علي البزاز

يقع بيت الفنان الهولندي فان خوخ في مدينة «هوخفين» في مقاطعة درنته؛ بيت متواضع، يوحي بالفقر والعذاب الإنساني؛ كان يسدُّ نوافذ بيته بواسطة لوحاته، حماية من البرد. وكانت المنطقة برمتها فقيرة ومظلمة أسوة بجلّ مناطق هولندا، مقارنة مع ضوء الشمس في باريس، وفي لندن التي عاش فيها (1873 – 1876) كمتعهد لبيع اللوحات. يفخر البريطانيون بفان خوخ، الذي رسم لوحاته تحت تأثير لندن، قال عنها في رسالة إلى أخيه تيو:» كم أحبّ لندن».
لا تراعي الغاليرات المُتخصّصة، ولا المتاحف الفنيّة حتى عمق الروح البشرية للفنان، إلّا بما يخدم التسويق التجاري وجني الأرباح، فتحوّل الفنان من نصير للفقراء والمعدمين، إلى أيقونة تجارية ومالية، سوق فني لجني الأرباح كما يشير إلى ذلك متحف فان خوخ في أمستردام:
طوابير الزائرين، صحون وقمصان تحمل صورته ولوحاته، نسخٌ مصوّرة من أعماله، مثلما تحوّلت العدالة في شخص غيفارا، من الثورة إلى الربح المادي، تباع القمصان والميداليات الحاملة صورته في كل مكان وهو الثائر الزاهد بالمال والسلطة. لا يترك رأس المال الفن ولا الأدب ولا الأدباء، يكملون مسيرتهم التي بدؤوها، مثلما أرادوا، بل تحاول الرأسمالية عكس الإبداع إلى جهتها؛ الربحية والانتقامية، فما الذي ستتذكّره الأجيال القادمة من جيفارا الثورة؟ ربّما سوى القمصان والميداليات، وهذا انتقام ذو وجوه عدّة، منها قتل جيفارا بطريقة غير عادلة آنذاك، وأخرى توجيه نضاله إلى طريق عكس إرادته راهناً.
هل الإنسان محكوم برأس المال أولاً، وحينما يحاول معاكسته، يقع تحت انتقامه ثانية؟
هذا الانتقام المزدوج يبرز ثانية في حياة فان خوخ، الذي لم ينصفه تاريخ الفن، فكتب عنه بوصفه مجنوناً، لا مبالياً، محكوماً بانفصام الشخصية (يتكلّم ويكتب بالإنكليزية والفرنسية إضافة إلى الهولندية، ويزاول الكتابة يومياً وقبل البدء برسم لوحاته) ولا أظن أنّ رساماً في التاريخ، له جلد الكتابة والصبر عليها والتعبير بها أدبياً وفنيّا مثله، وعليه، فهو الكاتب الرسام، والرسام الكاتب، في ثنائية أدبية وتشكيلية فريدة.
سوف لا أناقش رسائله الأدبية فهي منشورة ومعروفة، إنّما اللافت في بضعٍ من تلك الرسائل هو: التزامن بين الرسالة التي يكتبها تمهيداً للبدء باللوحة، وبين «السكيتش» الفني، فيتّضح أنَّ فان خوخ يفكر أدبياً في اللوحة، ثم ينفذها فنياً، يقول في إحدى رسائله، قبل البدء بتنفيذ لوحته الشهيرة «زارعو البطاطا»:
«سوف أرسم الفلاحين عند الفجر.. لا سأرسمهم عند المغيب» والمعروف أنّ الضوء يختلف من حيث الشدّة والطاقة، ما بين الفجر والمغيب، وليس هذا فحسب، بل يختلف روحيّاً كذلك ، فالفجر، صافٍ حميمي، بِكر، يبعث على الاستمرار والحياة، يشبه اللون المتدفّق ، ثمّ تقلّ حميميته ورموزه تدريجياً عند المساء، لا سيما في منطقة «درنته» الهولندية المظلمة والفقيرة، وهكذا، فقد كان عذاب فان خوخ مزدوجاً مثل ازدواج انتقام الرأسمالية منه؛ يتعذّب عندما يفكر باللوحة أدبياً، متضامناً مع بؤس الفلاحين من جهة، ومن جهة ثانية، يتعذب فنياً لونياً، وهو يشاهد ويعي اللون الحميمي المفعم بالحياة عند الفجر، يخبو عند المساء، متّصلاً ومتشابهاً مع حياة الفلاحين الفقيرة.

التأثير الثقافي المتبادل:
يعرض راهناً متحف «تيت» البريطاني أكبر مجموعة من أعمال الفنان الهولندي فان خوخ، التي ما تزال تعرض منذ عشر سنوات في لندن، من بينها «بورتريه شخصي» لفان كوخ في شبابه، ولوحة «النجوم في رهون» وكما جاء في وصف جريدة «الإنديبندت»:
يشي المعرض بتأثير بريطانيا على روح الفنان فان خوخ، الذي تأثّر به لاحقاً، كلّ من الفنان البريطاني يوهان كونستابل، وفرنسيس بيكون.
لم يكن فان خوخ حتى العام 1870 رساماً، بل بدأ الرسم في مدينة دانهاخ بعد مغادرته لندن مباشرة في العام 1880، سميّ المعرض «أيام فان خوخ المنسيّة في لندن».

هو الثمرة مخبّأ في تفاصيلها

إلى رسّام في قبره

تتبعُ غيمةً فتترامى بأرجائك قاطبةً
تنتشل أملاكها من الوحشة ثمّ تتراكم عليها صباحاً
يتمناه النهار.
• ذلك هو أنتَ:
اهتمام بآبار تلمع أعماقها، ثمّة غصونٌ تتبادر إليكَ أو تنبع
من شرفات تنظر إليها.
غيابٌ مؤطّر بمشاعل
غيابٌ تنجزه المشاعل.