فرجينيا وولف تنتصر للقصة على الشعر

شاكر لعيبي

فرجينيا وولف (1882 – 1941) هي أدالاين فيرجينيا وولف كاتبة إنكليزية، تعتبر من أعلام أدب الحداثة، ومن أوائل من استخدم الطريقة السردية المسماة تيّار الوعي. حياتها معروفة ولا بأس من الإشارة إلى محطات فيها: وُلدت في عائلة غنية جنوب كنزنغتون، لندن. بدأت الكتابة بشكل احترافي عام 1900. تزوجت من ليونارد وولف عام 1912. أسست مع زوجها دار نشر هوجارث عام 1917، وهي الدار التي قامت بنشر معظم أعمالها. بحلول عام 1910 بدأت وولف تشعر بالحاجة للعزلة بعيداً عن لندن، فسكنت في مقاطعة ساسكس منزلاً صار لاحقاً مسكنهما الدائم. تعرّض المنزل للتدمير أثناء الحرب العالمية الثانية عام 1940. أما هي فقد تعرّضت للكثير من نوبات الانهيار العصبي، مما أدى لإدخالها مصحاً عقلياً. في سبعينيات القرن الماضي، أصبحت وولف إحدى الركائز التي قامت عليها حركة النقد النسويّ. كانت روايتها الأولى ذات طابع تقليديّ، مثل رواية «الليل والنهار» 1919، ولكنها اتخذت فيها من حينها المنهج السردي المذكور، كما في «غرفة يعقوب Jacob’s Room» 1922، و«السيدة دالواي» 1925 و«إلى المنارة» 1927، و «الأمواج» 1931. كتبت دائماً روايات ذات طابع تعبيريّ شعريّ، منها رواية «أورلاندو» 1928 و«الأعوام» 1937، و«بين الفصول» 1941. اشتغلت بالنقد، ومن كتبها النقدية «القارئ العادي» 1925، و«موت الفراشة ومقالات أخرى» 1943. كتبت سيرة حياة «روجر فراي» 1940، وكتبت القصة القصيرة، وظهرت لها مجموعة قصصية بعنوان الاثنين أو الثلاثاء 1921. انتحرت غرقاً مخافة أن يصيبها انهيار عقليّ.

في رأينا أنها رائدة أساسية لما سُميَ بالواقعية السحرية‘ لأن تحوُّل أورلاندو، فجأة تقريباً، من رجل إلى امرأة في القسطنطينية لا يمكن إلا أن يكون من صلب ذاك. وفي رأينا أنها لصيقة لصوقاً مذهلاً بفن الشعر، رغم أننا لا نعرف لها نصوصاً شعرية، لكننا نعرف أنها كتبت عام 1932 (رسالة إلى شاعر شاب A Letter to a Young Poet) إلى جون ليمان John Lehman (ننتظر ترجمتها قريباً إذا لم يُسابِقنا أحد إلى ذلك؟) مُوضحة بعض آرائها في الشعر الحديث. هذا مدهش ويليق بشاعر عارف بدقائق الشعر. ثمة بالأحرى قصائد بل مجاميع شعرية مكتوبة كما لو أنها بقلمها، وفي ذلك دلالة كبيرة. مما له دلالة أعظم أن عملها (الأمواج) قد وُصف بأنه «أقرب إلى القصيدة الشعرية رغم أن الرواية ليست شعراً» وأن هذه الرواية «قصيدة شعرية طويلة».
موقف وولف من الشعر، لا يُفهم فحسب من وجهة نظرٍ نسويةٍ عالية الثقافة، ففيه شيء كثير من ذلك، وهي مسألة يتوجب التفكير بها جدّياً. ولكن من وجهة نظر أديب (ـة) موسوعيّة من نمط أدباء القرن التاسع عشر الذين يتفحصون ويدققون بالنثر والشعر على حد سواء، مزاجاً ومعرفةً. رواية «أورلاندو» التي لم نطلع عليها إلا بعد ترجمة المقتطفات الحالية، للضرورة، دليل على هذا الأمر (دار المدى 2016، بترجمة توفيق الأسدي). إن صفحات طوال من هذه الرواية تعالج الشعر والشعراء وتستحق بسطها كلها أمام القارئ الكريم، وليس ما نترجمه هنا من شذرات منشورة بالأحرى باللغات الأجنبية في أماكن عدة.
إن صورة الشاعر كما تقدّمها رواية «أورلاندو»، طيلة الصفحات من 77 إلى 81 في الترجمة المذكورة، ومقاربتها بصورته في عصور سالفة، ذات أهمية. نحن في القرن السادس عشر والبطل، وهو شاعر هو نفسه، يلتقي بشاعر اسمه (غرين)، ويحاول استطلاع تفكيره بشأن طبيعة الشعر، فلم يستنتج منه في البدء سوى أنه أصعب بيعاً من النثر، وانه بالتالي مهموم في الحقيقة بصحته الشخصية، وأنه آلة متقنة الصنع مُصمَّمة على نحو غريب حتى أنه مذهول من أنه لم يبع سوى خمسمائة نسخة من قصيدته بسبب مؤامرة حيكت ضده، وأن فن الشعر قد مات في إنكلترا. لكن أورلاندو فكّر كيف يمكن ذلك وهناك شكسبير ومالرو وبن جونسون وبراون ودون وكلهم ما زالوا ينظمون الشعر أو انتهوا للتو من نظمه. «ضحك غرين بتهكّم، أقرّ أن شكسبير قد كتب بعض المشاهد التي كانت جيدة بما فيه الكفاية ولكنه اقتبسها في الأغلب عن مالرو. كان مالرو واعداً، ولكن ما رأيك بشاب مات قبل أن يبلغ الثلاثين؟ أما ما يخصّ براون، فقد كان يؤيد كتابة الشعر في النثر، وسرعان ما ملّ الناس من مثل هذا الخدّاع، اما «دون» فقد كان غشاشاً يلفّ افتقاره للمغزى بكلمات صعبة، انخدع به السذّج ولكن الأسلوب سيكون باطل الطراز بعد اثني عشر شهراً من ذلك. أما بن جونسون، فقد كان صديقه وهو لا يذمّ صديقاً قطّ» (ترجمة ت. الأسدي). عصر الأدب الإغريقي العظيم قد ولى إذنْ، والأدب الإليزابيثيّ أقل شأناً منه على كل صعيد.
الفقرة الطويلة هي نقد خفي على ما يبدو لشريحة كبيرة من شعراء عصر فرجينا وولف بالأحرى، وتمثيل لصورة الشاعر التي يحبها لنفسه، في ذلك العصر، وهي تُطابِق أحياناً بشكل مذهل صورة الشاعر التي يحبها لنفسه، في العالم العربيّ.
في الصفحة 178، بعد تحول البطل إلى امرأة ورجوعه إلى إنكلترا، ثمة عودة إلى معالجة صورة الشاعر الآدميّ، وليس الشاعر المُتخيَّل، ربما الشاعر الرجل وليس الأنثى: «بدأت [المرأة أورلاندو] تحيا كثيرا بصحبة رجال عباقرة، ولم يكونوا هم كثيري الاختلاف عن بقيتنا كما قد يفترض المرء، لقد وجدت أن أديسون وبوب وسويفت مولعون بالشاي، كما كانوا يحبون الأماكن الظليلة بين الأشجار، كانوا يجمعون قطعاً صغيرة من الزجاج الملوّن، كانوا يعبدون الكهوف. لم يكن المنصب كريها بالنسبة إليهم، كما كانوا يحبون المديح، كانوا يرتدون بزات بلون الجوخ في يوم وبزات رمادية في يوم آخر. كان لدى السيد سويفت عصا جميلة من طراز مالقا، كان السيد أديسون يعطر منديله، والسيد بوب كان يعاني من مسّ ما…..» (ترجمة الأسدي) ثم تستشهد بقصيدة «اغتصاب خصلة شعر The Rape of the Lock» لبوب:
whether the nymph shall break diana’s law,
or some frail chaina jar recieve a flaw,
or stain her honour
………………

في القسطنطينية وبسبب تحولات عميقة في روح الرجل الذي صار امرأة، بدأت البطلة أورلاندو تكتب قصائد نثر. تحوُّلها من ذكر إلى أنثى وشروعها بكتابات أشعار منثورة يتضمن مغزى لا يتسع له المجال هنا. وفي صفحة 200 من الترجمة العربية، نقرأ شعراً لأورلاندو المرأة، البطلة، ولا نعرف في الحقيقة هل هو شعر لوولف وُضع على لسان البطلة؟
أفكار فرجينا وولف مُتضمَّنة في أعمالها الروائية، خاصة (الأمواج) و(أورلاندو) وننصح بقراءتهما كليهما.

مَنْ كَتَبَ عدداً كبيراً من القصائد دون التوقيع عليها، كان امرأة غالباً».
°°°°°°°
«من الغريب كيف أن كِسَراً من الشعر تشتغل في الذهن، وتجعل الساقين تتحركان في الوقت المناسب على طول الطريق».
°°°°°°°°
«دماغي يطنّ بكِسَرٍ من الشعرِ والعَتَهِ».
رسائل مختارة.
°°°°°°°
«يبدأ الآن في داخلي صعود إيقاعٌ مألوف: الكلمات التي كانت نَعِسَة ترتفع اللحظة، تطرح الآن أعرافها، تسقط وترتفع، وتعاود السقوط. أنا شاعر، نعم. بالتأكيد أنا شاعر كبير».
على لسان نيفيل Neville ، المخلص للشعر والفن في رواية الأمواج. الترجمة خاصة بنا.
°°°°°°°°°°°°°°°
«قلت لك في سياق هذه الوثيقة إن شكسبير كانت له أخت. لكن لا تنظر لها عبر سيرة الشاعر [التي كتبها] السير سيدني لي. لقد توفيت شابة – للأسف، ولم تكتب كلمة واحدة. ودُفنت حيث يتوقف الباص الآن، مقابل مفترق «الفيل والقلعة». اعتقادي الآن أن هذا الشاعرة التي لم تكتب كلمة [واحدة]، ودُفنتْ في مفترق ذاك الطريق، ما زالت تعيش. إنها تعيش في داخلك وفي داخلي، وفي داخل العديد من النساء اللواتي لسنَ هنا الليلة، لأنهن ينظفنَ الأطباق ويضعنَ الأطفال في الأسرّة. لكنها تعيش. كبار الشعراء لا يموتون. فهم يستمرون بالحضور. إنهم فقط بحاجة الى فرصة للمشي بيننا بلحم حيّ».
يقع تقاطع «الفيل والقلعة» جنوب لندن. أما السير سيدني لي (1859 – 1926) فهو ناقد أدبيّ إنكليزيّ وكاتب سيرة، كتب العديد من الأعمال عن وليام شكسبير.
°°°°°°
«إن التهرُّب من مثل هذه الإغراءات هو الواجب الأول للشاعر. فكما أن الأُذُن هي غرفة انتظار الروح، يمكن للشعر أن يغشّ ويدمر بيقين أكبر من الشهوانية أو البارود. الشاعر، إذَنْ، هو الأعلى مَنْصِباً من الجميع. كلماته تصل حيث يفشل الآخرون. لقد فعلت أغنية خرقاء لشكسبير الكثير للفقراء والأشرار [مقارنةً] بجميع الوُعَّاظ والمُحْسنين في العالم».
أورلاندو، الترجمة خاصة بنا. ويمكن قراءة الفقرة نفسها بالترجمة العربية للرواية ص148. وقبل هذه الفقرة نقرأ: «ولكن الـ S لا شيء في رأيها بالمقارنة مع نهايات الـ ing في الأفعال. اسم الفاعل في صيغة المضارع هو الشيطان نفسه…..».
°°°°°°°
«صحيحٌ أن الشعر ما زال شهيّاً، أفْضَلُ النثرِ هو الذي يكون أكثرَ امتلاءً بالشعر».
°°°°°°°°
«بعض الناس يذهب إلى الكهنة، آخرون إلى الشعر، أما أنا فإلى أصدقائي».
°°°°°°°°
«الحبّ، يقول الشاعر، هو وجود المرأة التامّ».
°°°°°°°°°°°°°°°°
«… من ذا الذي سيقيس حرارة عنف قلب الشاعر عندما يتعلق ويتشابك مع جسد المرأة؟»
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°)
«أزهرت الزهرة ثم ذبلتْ. الشمس ارتفعت ثم غابتْ. أحبّ العاشق ومضى. وما قاله الشعراء مُقفّىً، ترجمه الشباب في المُمارَسة».
أورلاندو. الترجمة خاصة بنا.
°°°°°°°°°°°
قد تكون مهمتك – إيجاد العلاقة بين الأشياء التي تبدو غير متوافقة لكنها تتقارَب تَقارُباً غامضاً، وامتصاص كل تجربة تصلك دون خشية وتَشبُّعها بالتمام، بحيث تكون قصيدتك كُلّاً وليس مقتطفاً، جواباً للحياة الإنسانية، وإعادة تفكير بالحياة البشرية في الشعر، وبذا تمنحنا المأساة مرة أخرى والكوميديا عبر شخصيات لم تُنسج مُطوَّلاً على طريقة الروائي، ولكن تُكثَّف ويتمّ توليفها بأسلوب الشاعر – وهذا هو ما نتطلع إليه أن نفعله الآن».
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°)
«قليل من الناس يطلبون من الكتب ما يمكن أن تقدّمه لنا الكتب. في الغالب نأتي إلى الكتب بعقول ضبابية ومشطورة، نطالب الأدب القصصيّ أن يكون صادقاً، من الشعر أنه يكون كاذباً، من السيرة أن تكون مدّاحةَ، من التاريخ أن يطبّق [عنوة] أحكامنا المسبقة. إذا استطعنا هجر مثل هذا التصوّرات المسبقة عندما نقرأ، فإن ذلك سيكون بداية رائعة».
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«الطبيعة التي مارست الكثير من الخدع الغريبة علينا، صانعة إيّانا، دون مساواة، من طين وماس، من قوس قزح وغرانيت، وحَشَتْ [ذلك كله] في علبة، غير مناسبة غالباً، فللشاعر وجه جزّار وللجزّار [وجه] شاعر، الطبيعة التي تبتهج بالتشويش والغموض، حتى الآن (الأول من نوفمبر عام 1927) نحن لا نعرف لماذا نرتقي الطابق العلويّ، ولماذا نعاود الهبوط، معظم حركاتنا اليومية تشبه مرور سفينة في بحر غير معروف، يسأل البحّارة من أعلى الصاري، موجّهين مناظيرهم إلى الأفق: هل ثمة أرض أم لا أرض؟ يكون الجواب، إذا كنا أنبياء، «نعم»؛ وإذا كنا صادقين نقول «لا» ؛ [لكن] لطبيعة التي لديها الكثير من الإجابات […] زادت من تعقيد مهمّتها وزادت من التباسنا عبر تزويدنا من بين أشياء أخرى بجراب مثاليّ من الاحتمالات المختلفة في داخلنا….».
أورلاندو. الترجمة خاصة بنا، ويمكن قراءة الفقرة نفسها في الترجمة العربية للرواية، ص69 – 70.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«إذا كان طائشاً التوغّل في عرين الأسد دون سلاح ، طائشاً الإبحار في المحيط الأطلسيّ في قارب تجديف، طائشاً الوقوف بقدم واحدة على قمة كاتدرائية القديس بولص، فمن الأكثر طيشاً العودة إلى البلاد وحيدة مع شاعر. الشاعر هو الأطلسي والأسد في آن واحد. ففي حين أن أحدهما يُغرقنا فإن الآخر يقضمنا قضماً. إذا نجونا من الأنياب، فإننا نستسلم للأمواج. الإنسان الذي يستطيع تدمير الأوهام هو الوحش والطوفان. الأوهام بالنسبة للروح هي الغلاف الجوي بالنسبة للأرض. يُرفع الهواء العذب فيموت النبات ويتلاشى اللون. الأرض التي نمشي عليها رماد عَطِش. إنه لسجيّل ما ندوسه، وهي حجارة من النار تحرق أقدامنا. في الحقيقة نحن مفككون. الحياة حلم. «يقظتنا تقتلنا. ومن يسرقنا من أحلامنا يسلبنا حياتنا – (وهكذا على ست صفحات إذا شئت، لكن الأسلوب مملّ ويمكن جداً أن يكون مهجوراً).
أورلاندو. الترجمة خاصة بنا، ويمكن قراءة الفقرة نفسها في الترجمة العربية للرواية، ص174.
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«الاقتصاد الحكيم للطبيعة جعل روحنا الحديثة قادرة على الاستغناء تقريباً عن اللغة. […] فالمحادثة الأكثر عادية هي الأكثر شاعرية في أغلب الأحيان، والأكثر شاعرية هو بالضبط ما لا يمكن كتابته….».
°°°°°°°°°°°°°°
«للكتب وسيلة للتأثير على بعضها البعض الآخر. القصة ستكون أفضل بكثير بهدف الوقوف جنب الشعر والفلسفة».
°°°°°°°°°°°°°°°°
«ترغب أن تكون شاعراً، ترغب أن تكون عاشقاً. لكن الصفاء الباهر لذكائك، والصدق القاسي لبصيرتك حملك على التوقف».
°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°°
«ما علاقة الثناء والشهرة بالشعر؟ هل كانت كتابة الشعر صفقة transaction سرّية، صوتاً يجيب صوتاً؟ لذا فإن كل هذه الثرثرة وهذا الثناء وذاك الذم واللقاء بناس معجبين بشخص واللقاء بآخرين غير معجبين بشخص، [كلها] كانت أيضاً رديئة التكيف – كما بالإمكان – بالنسبة للشيء نفسه: صوت يجيب صوتاً».
أورلاندو، الترجمة خاصة بنا.