فردوس ضائع بين الأفلاك العراق في شعر سركيس نالبانديان

حسين هنداوي

الشعر كان بالنسبة للشاعر العراقي الراحل سركيس نالبانديان او ساكو (المولود عام 1960 والمتوفي في هولندا في 2012)، ملاذه الحميم بل الجناح الذي يحمله نحو عوالم اكثر رحمة وجمالا والى الفضاء والهواء وكل شيء لروح لم يثلمها اليأس قط برغم انها توحي بانها اليأس او الحزن ذاته. روح مؤمنة بعمق تسكنها شفافية محيرة، ومن هنا اطلالة ذلك اليقين او بالاحرى الوهم المعلن بين حين وحين، لكن المكابر دائما والمصنوع لحظة فلحظة من حب الحياة:
قلبي الذي غنى للتيه
يظن ان الكون ملكه
فالتضاد، وهو يسميه الجدل، بين الحب والالم، بين وحدة قاسية وتشبث بالانتماء، يجول طولا وعرضا في هذه المجموعة المختارة من قصائد ساكو، والتي تكاد تكون قصيدة واحدة واخيرة، هي مرثية وجود لذات حالمة وجريحة في آن. وهي قصائد لا يهمها الاستكشاف او الانتماء الى سماء الشعر او غيرها من سماوات، بل محض التنقل بين ضفاف جرح غائر الى حد التماهي مع الروح، فيما ينزل الموت في هذه المجموعة منزلة المنقذ احيانا بنفس يبدو مستلهما احيانا او مجربا ولو مجبرا لمتعة الفناء الصوفية، اذ يحضر الموت كغاية بذاته بل كمعنى للصورة الشعرية مهما تغيرت اسماءه واوصافه برغم شغف واضح بلغة شعرية تجمع بين الاستفادة من الحداثة واجواء انجيلية شفافة. وفي «ريح نيسان» تبدو القصيدة محض ابتهال:
ايها الموت، ها انا اجثم بين قدميك
خذني الى حيث لا ادري
لا تدع الريح تهب في رأسي
اريد ان استسلم لرقادك الهني
كل شيء فيك يجتاحني
افكار ملونة
براعم يغمرها الغبار
زهور تنحني نحو الارض
لا سر اذن ولا غرابة ان تنزل الدنيا منزلة «الغابة» بل المأساة ذاتها لدى هذا الشاعر. وفي قصيدة «الغابة» يتحول الخلاص منهما الى بشارة:
حين توقف الزمن
هام النسيم
وصارت النار رمادا
عدت مثقلا
ابحث عن روح غادرتني
ابحث عن…
وفي يدي بذرة
بذرة مأساتي
أنثرها بأرض تجهلني
الحب والالم، يتكاملان يتعانقان في قصائد الديوان كحالة قدرية ويفضي كل منها إلى الآخر، لكن الألم، في قصائد المجموعة لا ينتهي بهذا الشاعر، إلى ضياع او استسلام لشكوى او ليأس، على غرار الشعراء الرومانسيين. ثمة ضربات رومانسية بلا ريب لدى هذا الذاهب الى الجرح مباشرة والذي تحيره «الفصول التي تعيد نفسها»، والمولع بـ «الاحتراق امام عيني» الحبيبة، والمتعب «لان النوارس لم تحمل في ريش جناحيها» جراحه. بيد ان ساكو، لا يطلب المستحيل:
انا جدول صغير
بين الوديان والصخور
بين احجار القاع والسماء
أتعثر
باقماري، باقداري
بل هو سيصرخ مستغيثاً الحياة ان تترك «الابواب مشرعة» ليكمل الرحلة معها وكي يأخذ هو ايضا فرصته المسلوبة في الغناء للحب وللامل:
مازال في الروح وتر
وانا اقسم لعينيك
لن احب سواك
تعال
نحيي حبنا من جديد
ونصوغ من آه الشجن
منديلا نرميه في الهواء
سافرش لك الدرب وردا
واضمك بين ذراعي كما يضم الليل الانجم
واودع الاحزان
ونكمل معا رحلة الحياة
فما زال في الروح وتر.
بيد ان الهاتف الجاثم في اوردة الروح لا توقفه الاحلام. وهكذا، وكمن يستلهم اغنية بابلية خالدة سيعلن ساكو مستسلما بان موسم الرحيل آن:
ودع ضيفك يا ساكو
ودع الابواب مشرعة
فالانبياء صاغوا قدرا
ومحوا اسم الزهرة من جذورها
ويظل العتاب الاعظم والابدي تجاه الوطن الذي ليس الا العراق كما لو انه هو وحده الفردوس الزائغ من بين الاصابع والقدر الاعظم والوجود المتماهي مع الحزن والسر الابدي والتراجيديا التي ما بعدها تراجيديا والضياع المجهول الاسرار والقسوة لا سيما على ابنائه المبعثريت بين كل الافلاك في آن:
وطني يا مدار الاحزان
يا من البست امهاتنا ثياب الليل
اطفال تائهون
آباء يملأ الموت فمهم
مواطنوك تناثروا في وديان الله
في شتات الارض
ماذا حل بك؟
كنت كوكبا تدور في فلكه الاقدار
وحقلا للحروف والافكار
حدائق ثياب
ومراجيح
ماذا حل بك؟