فريدريش فيلهلم نيتشة الكذاب أخو الشاعر بالرضاعة

شاكر لعيبي

فريدريش فيلهلم نيتشه: فيلسوف وفيلولوجيّ وموسيقيّ وعازف بيانو وباحث في اللاتينية واليونانية ألمانيّ (1844 – 1900). وهو شاعر أيضاً، وقد صدر له أثناء حياته أكثر من عمل شعري، منها (قصائد مسينا الرعوية Idyllen aus Messina) و(ديونيسوس ديثرامب Dionysos-Dithyramben) وبالفرنسية صدرت عام 1984 (أشعار نيتشه) بترجمة لجورج ريبيمون دوسينيه عن دار (Champ libre).

إن مجموعة (ديونوسوس ديثرامب) هي تسع قصائد كتبها فريدريك نيتشه في النصف الثاني من عام 1888 تحت اسم مستعار هو ديونيسوس بلوم. نُشرت القصائد الست الأولى (بين طيور جارحة، علامة النار، الشمس تغرق، الوصية الأخيرة، المجد والخلود، فقر [البشر] الأكثر غِنىً) في طبعة عام 1891 من «هكذا تحدث زارادشت». هناك ثلاث قصائد أخرى هي (تفجُّع أريادن، الشعراء فقط حمقى! ووسط فتيات الصحراء) مستلة أيضاً من (هكذا تحدث زارادشت) بتغيرات طفيفة. أما (المجد والخلود) فهي منشورة في نهاية الطبعة الأولى من كتاب نيتشه المعنون (Ecce Homo وهذا تعبير لاتينيّ يعني: ها هو الإنسان). في كانون الثاني عام 1889، قام نيتشه، إبّان خرفه، بصياغة إهداء لمجموعته (ديونيسوس ديثرامب) إلى الشاعر والناقد والروائيّ الفرنسيّ كاتول مينديس Catulle Mendès، وهو مثال نموذجي للمدرسة البرناسية، معلناً تقديره الكبير له واصفاً إياه «بأعظم وأكبر ساتير Satyr حيّ اليوم وليس فقط في يومنا الراهن». والساتير في الأساطير اليونانية هو مخلوق ذكر من المصاحبين لإله المراعي والصيد البريّ والأحراش ومرتبط بمانداس Ménades المخلوق المؤنث وكلاهما يشكلان «موكب ديونيسيان» الذي يرافق الإله ديونيسوس. لعل نيتشه كان يرى أن العلاقة الصوتية بين اسم الشاعر الفرنسيّ البرناسيّ والمخلوقات اليوناتية (Mendès و Ménades) أبعد من التشابه العرضيّ.
أما البرناسية أو المذهب البرناسي فيدعو إلى اعتبار الأدب غاية في حد ذاته وإلى الامتناع عن استعماله وسيلة لمعالجة القضايا الاجتماعية والسياسية. تطور المذهب وأُطلق عليه اسم مذهب «الفن لأجل الفن» مدافعاً عن فكرة أن الأدب ينبغي أن يُنتًج بعيداً عن الاعتبارات الاجتماعية والسياسية.
رغم نقد بعضهم لأسلوب كتابات نيتشه الفلسفية التأمليّة، المسمّاة مجازاً عندهم كتابة شعرية، فإن مجمل عمل نيتشه قد وَسَمَ الفلسفة الغربية وتاريخ الفكر الحديث.
بدأ نيتشه حياته العلمية دارساً لفقه اللغة (الفيلولوجيا) الكلاسيكي، قبل تحوُّله الكبير إلى الفلسفة بعمر مبكر، فقد صار عام 1869 في الرابعة والعشرين من عمره أستاذ كرسي اللغة في جامعة بازل السويسرية، حتى استقالته عام 1879 بسبب وضعه الصحية الذي لازمه طيلة حياته، في العقد التالي من عمره أنجز تأليف أهم كتبه. في عام 1889، وفي سن الرابعة والأربعين، عانى من انهيار لقواه العقلية. عاش سنواته الأخيرة تحت رعاية والدته وشقيقته، حتى توفي عام في مدينة فايمارر الألمانية.1900. بعد وفاته تم تأويل أعماله بطريقة مشوّهة عبر صورة الجنون والدعاية النازية. الكثير من المعلقين والمفسرين الأوربيين يرون أن المفاهيم الأساسية التي تتصدر اعماله هي إرادة القوة والعود الأبديّ واالإنسان المتفوّق (السوبرمان). وهي قراءات تستند إلى أمور إشكالية لا مجال لها هنا. فُهمتْ أعماله، خطأً أحياناً، على أنها تنطوي على الأفكار الرومانسية والعدمية وما يسمّى بمعاداة السامية بل حتى أنها تنطوي على الفكر النازيّ، ويردّ عليهم دارسون آخرون بالرفض مؤكدين بأن نيتشه كان معارضاَ لهذه الاتجاهات.
إن مفهوم إرادة السطوة [أو السلطة]، بالنسبة للعديد من المعلقين، هادغير على سبيل المثال، هو أحد المفاهيم المركزية لفكر نيتشه، فقط بقدر ما هو عنده أداة وصف للعالم وتفسير الظواهر الإنسانية مثل الأخلاق والفن (التفسير المعروف باسم الجيونولوجيا) كما إعادة تقييم الوجود الذي يستهدف حالة إنسانية مستقبلية (الرجل الخارق). لهذا السبب استخدم مقطوع الصلة غالباً عند عرض عموم فلسفته.
هؤلاء الناقدون لنيتشه ينسون أحياناً أنه كان أحد مُلهمي غالبية المدارس الوجودية وأفكار ما بعد الحداثة، في الفلسفة والأدب. لقد دافع نيتشه عن أفكار ظن بعضهم أنها تتماهى مع التيّار اللاعقلاني. الأكثر من ذلك أن بعض آرائه اسْتُخدمت لاحقاً من قبل أيديولوجيي الفاشية والنازية. ولم تكن هذه النية نيته فقد توفي قبل ذلك بوقت طويل. رفض نيتشه المثالية الأفلاطونية والمسيحية والميتافيزيقيا بشكل عام. وكتب بشأن النفعية والفلسفة المعاصرة المادية والمثالية الألمانية، ودعا إلى تبنّي قيم أخلاقية جديدة، ونَقَدَ كانط وهيغل. أضف لذلك أنه كان من الممهّدين الأوائل لعلم النفس (الحديث). وهذا مشروع جوهريّ يليق بفيلسوف من طرازه.
كان نيتشه يهتمّ جادّاً بالشعر كما كان يمكن أن يهتمّ به مثقف من أواخر القرن التاسع عشر في أوربا، ولكنه كان يرى الحدود التي يتوقف عندها أو توقف عندها يالفعل شاعراً. أراؤه في الشعر تنمّ عن موقف كاتب، وخاصة كاتب ألماني متنوّر، من الفن الشعريّ.

النثرَ حربٌ مع الشعر،
حرب ودّية دون توقُّف

عن الفن الشعري

«الشعراءُ صفيقون مع تجاربهم: إنهم يستثمرونها».
***
«نريد أن نكون شعراء حيواتنا، وقبل كل شيء، في أدنى تفاصيل الأشياء اليومية».
من عمله (العلم المرح) 1882». .
***
«يرى الشاعر في الكذّاب أخاً بالرضاعة أُحْبِط [هذا الأخ] من الحليب المُخصَّص له بحيث أنه بقيَ بائساً ولم يَصِلُ حتى إلى وعي جيد».
من سخريات وطرف نيتشه .. النادرة.
***
«فاغنر موسيقياً يتوجّب أن يُصنّف بين الرسّامين، [يُصنَّف] شاعراً بين الموسيقيين، وبصفته فناناً بالمعنى العريض، بين الممثلين».
***
«للأسف، ثمة أشياء كثيرة بين السماء والأرض لم يحلم بها سوى الشعراء. لا سيما أعالى السماوات: جميع الآلهة نماذج [رمزية] للشعراء ولمواربات الشعراء. […] آه، كم أنا بَرِمٌ بالشعراء!».
هكذا تكلم زارادشت 1885. ترجمتنا.
***
«ليست الاستعارة بالنسبة لشاعرٍ حقيقيّ مجازاً من مجازات البلاغة، لكنها صورة مُسْتبدَلَة يضعها فعلياً أمام عينيه بدلاً عن فكرةٍ ما».
***
«ينبغي مواجهة الشعر من أجل كتابة نثر جيّد! لأنّ النثرَ حربٌ مع الشعر، حرب ودّية دون توقُّف: كلّ سحرها يقوم على الإفلات المتواصِل من الشعر وعلى مناهضته بشكل ثابت».
***
«نحن نتحدّث بشكل تجريديّ عن الشعر، لأننا جميعاً من الشعراء السيّئين غالباً».
لعلنا نجد هنا اعترافاً نبيلاً من طرف نيتشه بحدوده الشعرية التي أشرنا إليها في المقدّمة.
***
«مثلما يسعى الشعراءُ الرديئون، في القسم الثاني من قصيدةٍ، إلى فكرةٍ تُناسِب قوافيهم، يميل الناس، في النصف الثاني من حياتها، الى أن تصبح أكثر قلقاً بشأن إيجاد أفعالٍ ومواقفَ وعلاقاتٍ تُناسِب حياتها السابقة، لذا فإنّ كلّ شيء على السطح متناغم جيّداً، غير أن فكرة متينة لم تعد تتحكّم بحياتها، وبدلاً منها وبمكانها، تتقدّم نيّة العثور على قافية».
***
«يتطلّب الأمر المزيد من الشجاعة [لإنجاز] نهايةٍ ما من [إنجاز] شعرٍ جديدٍ: جميع الفيزيائيين والشعراء يعرفون ذلك».
***
«ومَنْ مِنْ بيننا من الشعراء لم يَغشّ نبيذه؟ مزيجٌ سامٌّ كثيرٌ قد تمّ ابتكاره في أقبيتنا. جزءٌ كبيرٌ يفوق الوصف قد أُنْجِزَ هناك».
هكذا تكلم زارادشت 1885. ترجمتنا.