فيينّا 1683 vienna

شوقي عبد الامير 

هذا التاريخ «فيينّا 1683» كتبَهُ القاتل الذي اقتحم المسجد الإسلامي في نيوزيلندا على رشاشته الاوتوماتيكيَّة وإلى جانبه كتب أسماء الإرهابيين الذين قتلوا المسلمين في أماكن أخرى من العالم.
إنَّ ما يهمُّنا الآن هو هذا التأريخ ودلالاته والرهان الإرهابي من ورائه، لأنَّها ليست المرَّة الأولى التي يرجع الإرهابيون والمتطرِّفون اليمينيّون في أوروبا إليه ويضعونه شعاراً أو رمزاً لقتل المسلمين.
إنَّه تأريخ حملة الخليفة العثمانيّ سليمان القانونيّ على الإمبراطوريَّة النمساويَّة عام 1683؛ حيث وصلت جيوش العثمانيين إلى حدود فيينّا بعد أن اجتاحت أوروبا الشرقيَّة ـ كما تسمّى اليوم ـ وحاصرتها لسنوات وقد كانت المعركة ذات بعد دينيّ معلن، إذ إنَّ العثمانيين يمثَّلون الإمبراطوريَّة الإسلاميَّة والمسيحيُّون تحت قيادة الإمبراطوريَّة النمساويَّة ولم تتمكَّن الجيوش النمساويَّة من دحر العثمانيين إلا بعد إعلان النفير من قبل البابا للدِّفاع عن الكنيسة الكاثوليكيَّة، وللمفارقة قام أحد الخبَّازين في فيينّا بعمل حلوى على شكل هلال/ كرواسّان Croissant لأنَّ شعار العثمانيين كان الهلال، ودعا المسيحيين لأكل «الهلال الإسلاميّ».
عاد العثمانيون أدراجهم ولكنَّهم لم يخسروا تماماً الحرب، لأنَّهم فرضوا الإسلام في بلاد البلقان (صربيا ـ كوسوفو ـ البانيا) حيث دخلت هذه الدول منذ ذلك الحين إلى الإسلام.
إذن، يريد الإرهابيون من اختيارهم هذا التإريخ إعلان حرب تمتدُّ إلى قرابة أربعة قرون وقد ردَّد كما نعلم إرهابيو القاعدة وداعش أصداء هذه الرموز بحديثهم عن الحروب الصليبيَّة والصليبيين في أكثر من مناسبة، حتى أنَّ جورج بوش نفسه وقع في هذا الفخ الإعلامي خلال حربه على القاعدة في أفغانستان.
إنَّ ربط الإرهاب بتأريخ الصراع بين الإسلام والمسيحيَّة ليس جديداً، منهم من يذهب أحياناً إلى أبعد ويشير إلى معركة «بلاط الشهداء» في بواتييه/ فرنسا عام 732 وهي المعركة التي أوقفت الفتح الإسلامي في الأندلس ومنعته من الانتشار في أوروبا.
هم يريدون بهذا الربط مع أحداث التأريخ الكبرى وضع أنفسهم في منعطف تأريخي ضمن سلسلة من الحروب والصراعات بين إمبراطوريات العالم القديم، وكذلك بالعودة إلى أسباب الصراع وربطها بالدين، مثيرين بذلك نعرات الانتقام والمآسي التي عبرت عليها البشريَّة طيلة قرون عديدة.
ليس لهم هذا الحجم الذي يدَّعونه وليست البشريَّة اليوم مستعدَّةً للإصغاء إلى مثل هذه النعرات الحاقدة التي طواها التأريخ الإنسانيّ اليوم، لكنَّهم لن يكفُّوا عن القرع على هذه الطبول البالية التي أخرجوها من جبَّانات التأريخ، لأنَّهم يرفضون الحاضر ويقدِّسون كلَّ ما هو ماض سلفيّ كما نعلم.
حذارِ ثم حذارِ من السقوط في هذا الفخِّ التأريخي، لأنَّ الانجرار من خلال الردِّ على هذا المنطق هو قبول بالدخول إلى حلبة يكون مجرد القبول بها هو ترديد لاستراتيجيَّة إجراميَّة تحاول خلط الأوراق وإلغاء كلّ مسيرة التطوُّر والبناء الحضاري الذي أنجزته البشريَّة عبر قرون طويلة.
إنَّ عبادتهم للماضي هي الرسالة الأعمق التي يريدون إيصالها بكلِّ الوسائل، مستخدمين رموزه وأحداثه وأسماء الشخوص فيه، لأنَّ فكرهم ماضوي ولأنَّ الإرهاب هو فكر قبل كلِّ شيء، لذا فإنَّ حربنا ضدَّه يجب أن تبدأ بالحرب ضدَّ الفكر، ضدَّ النَّوَاة، ضدَّ الجذور التي يمتدُّ إليها.
إنَّ ردود الفعل ذات الدِّلالة التي حدثت في نيوزيلندا عندما ارتدت رئيسة الوزراء الحجاب الإسلاميّ وعندما وقف يهودٌ في نيويورك لحماية المسجد الإسلامي هي مواقف ذات بُعدٍ حضاريٍّ، يرفع مستوى الحوار والصراع ويوجِّه صفعة هائلة لهؤلاء الإرهابيين.