في البحث عن عبدالرحمن طهمازي

عواد ناصر

.. وإذا توخيت الدقة!!
وأضحك، بلا ضحك، فهل ثمة من يتوخى الدقة؟
وأية دقة في زمن إعداد الخبز من نخالة الكلام؟
…..
…..
في زحام الأمكنةْ
يركضُ الصيفُ ثقيلاً
تحتَ أحلامي
ولَم يبقَ لي، الطيرُ أنا
غير بلادٍ مدخنةْ.
يا صديقي،
إنما الوحشةُ إسمٌ آخرٌ للصيفِ
يغزونا شتاءً
مثلما الحربُ التي مرّتْ بريش الطائرِ الخائفِ
من صمتِ المَدافعْ
لا المَدافع.
……
……
مقطع شعري كتبته أثناء كتابتي لهذا العمود.
بينما أنت كتبت، كما أحفظه من شعرك:
«كان بحرٌ يحبُّ السفينةْ
وهي تجهلُ قدرَ المحبِّ
أُغرقتْ حين خان الشراعْ
وزعيم السفينةْ
ظل يعجبُ من هذه الخاتمةْ:
كان وجهاً بعيداً، على رأسه غريباً
كان يرسي يديه
زاهداً يجهل الدعاء»….إلخ.. من ديوانك «ذكرى الحاضر».
«ذكرى الحاضر»؟
كأنك ضقتَ بزمنك الشخصي فتخليت عنه، مجازياً، وجعلته ذكرى. ما أشق زمنك الشخصي، وهو زمننا كلنا، يا أبا عوف، حيث ابتكار المفاتيح العجولة لتلك الأقفال المتأنية.. ابتكار لا يأتيه إلا الشعراء.
وحين سألتك في «گهوة إبراهيم» عن العروض والزحاف، وما يتعلق بهما، أجبتني: «لا أعرف»!. فاستغربتُ وأنت العارف، بل الأعرف.
منذ أكثر من ثلاثة أسابيع وصورة عبدالرحمن طهمازي تترصدني بعينيه الكليلتين خلف نظارته السميكة وهو ينفخ متوتراً أنفاساً متواترة من بين شفتيه ويعصر دمامل غير مرئيّة في رقبته بينما يتصفح «مروج الذهب».
اتصلت به تلفونياً، في أيلول (سبتمبر) 2003، عند أول زيارة لي لبغداد بعد سقوط دولة العرفاء الكيمياويين الذين لم يدافعوا حتى عن دولتهم.. جاءني صوته شاحباً، معتذراً، متعللاً بـ «ظرف خاص» يمنعه من مغادرة البيت، فأدركت أن الشاعر لا قِبَلَ له بمعارك العضلات الفولاذية الساخنة، الدائرة حتى اليوم في وطن الماء والقصب والشعر.. رغم أن العزلة والاعتزال والعزل والعزوف عن الخارجي متلازمات شعرية، فثمة حصار ما بدرجات ما وأشكال ما وترميزات ما.
تركت للشاعر حريته في تبرير ما يُبرّرُ وما لا يُبرّرُ في لحظات الانكسار الكبرى.. اللحظات المزمنة.. لحظاتنا، نحن، لا سوانا.
عدتُ وحدقتُ مليّاً في وجه الشاعر لأقرأ غضون البلاد المتحولة والثابتة لأدرك، دونما عناء يذكر محطات التعب والخذلان واليأس وما تدركه القصيدة وإن لم تعبّر عنه.. وإن عبرت عنه في صندوقها الأسود الذي لم يُعثر عليه بعد أعنف الانفجارات.
قصائدنا تنويع، دائماً، على من قبلنا منذ دريد بن الصمة حتى بدر شاكر السياب مهما صنعنا من مفاتيح جديدة لتلك الأقفال القديمة:
«أمرتهمُ أمري بمنعرجِ اللوى…… فلم يستبينوا الأمرَ إلا ضحى الغدِ».
وهم هكذا، دائماً يا صاحبي، لم يستبينوا الأمر إلا ضحى الغدِ!
أو السياب: «فاجأ الجندُ حتى جراحي ودقات قلبي/فاجأوا كل ما ليس موتاً وإن كان في مقبرةْ/فاجأوني كما فاجأ النخلةَ المثمرةْ/سربُ جوعى من الطيرِ في قريةٍ مثمرةْ».
ولكن…
ولكن تبقى كتابة قصيدة، يا صاحبي، آخر الخيارات وإن كانت أثقلها وطأة.
أظنك تتذكر، معي، ما كتبه ريلكه إلى شاعر شاب بشأن كتابة بيت واحد من الشعر.. ما أشق الأمر، يا أبا عوف، وأنت تعرف هذا أكثر مني (ربما).
فرحت بصورة لقائكما على الفيسبوك، أنت وشوقي عبدالأمير، وبشيء من الطمأنينة عزز لدي بأننا ما زلنا أحياء، وهذا سبب كاف للفخر ببطولتنا ليس لأننا انتصرنا في أية حرب (نحن المهزومين، أبداً، في الحرب أو من دونها) بل لأننا ما زلنا أحياء، حسب، لنهتف كما هتف ستيف ماكوين، بفيلم «الفراشة»، إثر نجاح هروبه من ذلك السجن العاتي المطل على البحر بعد أن ألقى بنفسه في مياه المجهول: «ما زلت حيّاً أيها السفلة».