في التعذيب

عواد ناصر

لحظة التعذيب هي أكثر لحظة درامية في حياة البشر خارج النص.
إذ رغم «شعبية» التعذيب ورواجه في عالمنا المعاصر، العربي خصوصاً، يندر أن نعثر على نص أدبي، روائي أو شعري، يتناول التعذيب.
في روايته القصيرة، أو قصته الطويلة «تلك الرائحة»، كتب المصري صنع الله إبراهيم أحد أجمل السرديات العربية النادرة عن التعذيب.
ربما لأن الروائي أو الشاعر يتجنبان الكتابة عن التعذيب كي لا يتعرضان له.
التعذيب أمر شائع في التاريخ القريب، أو البعيد، منذ تنازعت سلطتان: الدولة ومعارضوها.
لذا لا وجود للتعذيب، بمعناه المتعارف عليه في عصر الحداثة وما بعد الحداثة، في ما يسمى بالعصر «الجاهلي» وأنا أضعه بين قويسات لأنني ضد هذه التسمية.
بدأ التعذيب مع نشوء الدولة الإسلامية.
سلطة الدولة اعتبرت كل من يختلف معها يمثل خطراً ضد أمنها، وهنا تلطّت تلك السلطة خلف إصبع المنطق: ليس هناك دولة تقبل بمن يشكل خطراً عليها، وتسامحه، فرداً كان أم جماعة، وثُبت ذلك بقانون.
إنما لا يمنع رئيس الجمهورية من أن ينقل، عبر التلفزيون المحلي، محاكمته لرفاقه في الحزب ومن ثم يرسلهم إلى الإعدام. رئيس الجمهورية هذا إسمه صدام حسين، وهو ما فعله برفاقه فماذا يفعله بأعدائه الآخرين؟
الحاكم، الجلاد، المحقق الأمني، لا يحمل أي منهم مشاعر شخصية ضد الضحية، وليسوا، بالضرورة، أشخاص يتلذذون بالتعذيب، بل هم موظفون جرى تعيينهم ليمارسوا التعذيب كي لا يفقدوا وظائفهم.
أخبرني رقيب عربي، مرة، بشأن إجازة كتاب لي، بأنه يعتذر عن منعه من التداول لسبب بسيط: إنه سيفقد وظيفته. ثم أضاف: هل تقبل بأن أفقد وظيفتي بسبب كتابك؟
أجبته بلا تردد: أبداً. وظيفتك، في هذه الحال، أهم بكثير من كتابي لأنها تطعم عائلة. فأصبحنا صديقين، من طرف واحد!
لم أشهد حالة تعذيب، ولَم أتعرض له بسبب الصدفة وحدها، ولَم أشهده لأنه، طبعاً، يجري بعيداً عن الأنظار.
لكنني شهدت علاماته: عندما كنت طفلاً صحبتني أمي وعمتي لزيارة سجين قريب لنا، في سجن رقم واحد (معسكر الرشيد) عام 1964.
كان شاباً وسيماً، يشبه رشدي أباظة، لكن أحد أسنانه العليا لم يعد في مكانه. سألته فأجابني: علقوني في مروحة السقف وسقطت على البلاط فانكسر سني.
وعلامة أخرى: أطلق سراح جار لنا عام 1968. لمحت على رسغيه أثار بياض لا يشبه جلدهما. قال: هي الكلبشات.
يعتقد الجلاد الذي يمارس التعذيب، من بين معتقداته، بأنه يقوم بالتعذيب كي لا يتعرض، هو شخصياً، للتعذيب. أي إنه يدافع عن نفسه بسلب ضحيته حق الدفاع عن نفسها.
عدا الجريمة التي ترتكبها الأنظمة الفاشية، عموماً، فثمة ملاحق ومتعلقات: لا يمكن لذوي الضحية التقدم بشكوى قضائية، مثلاً، فلا أحد يعرف شيئاً عن الضحية غير جلاديها المباشرين، وفي حالات خاصة بعض مسؤوليهم، وفي حالات أشد خصوصية يعلم بها رئيس الجمهورية نفسه.
في دراما الجلاد وضحيته تكمن نسبية من نوع مختلف:
الجلاد قوي بحكم سلطته المطلقة والضحية ضعيف بحكم عزلته المطلقة.
لكن، الجلاد ضعيف لأنه لم يعد يملك أية وسيلة، غير القوة، لانتزاع ما يريد من ضحيته الأعزل.
والضحية قوي، بالمقابل، لأنه لا يملك غير قابليته للصمت وهي سلاحه الأخير.
.. والجلاد يكذب: نحن نعرف عنك كل شيء!
ويجيب الضحية أو لا يجيب: إذا كنتم تعرفون كل شيء فلمَ التعذيب؟
يظل التعذيب قدر العصر الحديث، طالما ثمة حاكم يحكم باسم العدالة وضحية تكافح من أجل تحويل الإسم إلى فعل.
في رواية «الجدار» لجان پول سارتر «يعترف» أحد المناضلين، كاذباً بمكان اختباء رفيقه، ليكسب بعض الوقت وليتوقفوا عن تعذيبه.. يخبر المحققين بأن رفيقه يختبئ في المقبرة. وهو لم يكن هناك طبعاً. إنما هو اعتراف زائف لكسب الوقت فقط.
هيا إلى المقبرة، إذن!
هنا؟ هناك، أين إذن؟

فجأة يكتشف المحققون الرفيق المختبئ.. وفي المقبرة!