في حديقة الشاعر

طالب عبد العزيز

الذين كانوا يمرّون على النحّات نداء كاظم، في الصيف الماضي، وهو يعيد بناء وترميم الساحة الصغيرة، التي تحيط تمثال الشاعر بدر شاكر السياب، المنتصب على ضفة شط العرب منذ سنوات، كانوا يشفقون عليه، وعلى الفنيين، في دائرة الموارد المائية، وفيه من سخر من جهد كبير يضيع في تمثال، وليس ببعيد قول أحدهم: ترى، ما قيمة التمثال والشاعر، هذا الذي تسخّر البلدية والدوائر الأخرى جهدها ومالها من أجل إعادة الحياة لتمثاله؟ ونجزم أنَّ غيرَهم سيقول، متيقناً: الشعر والثقافة والفنون والآداب قوامُ كلِّ وعيٍ وعَمادُ كلِّ امة فلم لا؟ لكنهم يهمسون، نحن، نسكن بلاداً ما زال غالبية أهليها يخلعون القداسة على كل مُذهَّب وأخضر تحديداً، وعلى كل ما ارتفع مئذنة او قبة، وكل مبكى مقصود، إذ كل ضريح مقدس من وجهة نظرهم. في معاينة وحيدة، غريبة، ومن زاوية واحدة، تشيح بعين حولاء عن كل ما هو مبهج ومسرٌّ وحضاري، هؤلاء، الذين خلصوا الى تسمية المقدس ذاك (مقدسهم) لا يعنيهم من مفاوز الجمال الكثيرة شيء، ترى، ماذا عن رائحة الخشب الرطب في سرير جدّي، الذي على النهر، وماذا عن افريز الطابوق المنطبق على الماء، ساعة ظميئ الافق وأنسرحت الشمس؟
قبل شهرين، وقد ظامني قنوطي ويأسي ساعة، وجدتني مستلق عند شجرة للنارنج، في حديقة حافظ شيرازي، وقد غُمرتُ للحظات بالاخضر والمعصفر والبرتقالي، كان العشب وسادتي وثمار النارنج اللاهبة مصابيح لا تعد، فيما كانت السماء بغيم شتوي بارد.

لا ُيحصي سدنة بستان وضريح الشاعر عدد اشجار النارنج، أسمّي بستانيي الحديقة التي تحيط الضريح سدنة. هي غابة تحيط، ودائرة يستقبلك عند بوابتها قاطعُ التذاكر، ويأخذ بيدك دليل سياحي، سيحدثك عن حافظ الشيرازي، الشاعر إن أردت، والتقي المتصوف والشيخ إن أردت ايضاً ، وقبل وصولك المرقد المقدس، هناك من يامرك بخلع حذائك، وفي موضع ما من الحديقة ستسمع أشعار حافظ تتلى، عبرصوت قدسي، يزينه العطرُ ويُكمل بهاؤه شذروانُ الماء. الايوان الطويل، الذي يفصل الشارع العام عن الضريح، بممرين. أشجار الحور عند المدخل، وغابة النارنج هناك، تحيط القصائد والمسلات، التي حفرت عليها أبيات من شعره، ومنذ الصباح الباكر وعمّال البستان يقطفون النارنج، يضعون مرقاة الخشب على أشجاره ويقطفون، تركوا الثمر البرتقالي على العشب، فتدثر بالاصفر البرتقالي، ولم يعد أخضرَ، تركوه هكذا، لتتناهبه كاميرات الزائرين.
حين القت بي السيارةُ، التي اقلتني من مطار دبي الى فندق الراديسون بلو، بالشارقة حملت جسدي بعجالة الى السرير، ونمت، ولما طرقت الشمس نافذة الصبح، وأزحت الستارة قليلاً ، فوجئت بالبحر، ما كنت أعلم انني كنت نائماً الى جواره البارحة. كانت الريح تاتي رطبة فتبلل ثوب الضجر، في المدينة التي كانت يباباً قبل خمسين سنة، ثمة تماثيل لخيول اربعة، سوداء، تزيّن مدخل الفندق، وثمة عشب طويل يرافق القادمين الى البوابة. المكان هادئ وجميل، والبحر الذي يصحو باكراً ظل ازرق، مزبداً على الشاطئ، لكنني، ما زلت ضجراً، أبحث في أرقام هاتفي عن رقم لصديق، ما زال بعدُ مقيماً في البلاد البحرية هذه !! ومن الحديقة الاسيوية، التي يقع عندها مطعم الفندق، رحت التقط الصور، هذا شلال ماء يؤتى بمائه من محطة التحلية، مباشرة، وهذه بركة تسبح في قاعها السلاحف والاسماك الملونة، الكائنات المحبوسة في الحصى، تذكرني بالنهر القريب من بيتنا، وقد أعدمه الملح فهجرته كائناته، هم جاؤوا بالسنديان الجبلي سيقانا من أرزة بلبنان ربما، وبالحور والمطاط الافريقي من غابة النمور فصار الفندق غابة.
على مقعد في المطعم، قبالة الخيول الاربعة والغابة المتحولة، وجدتني، متذكراً تمثال بدر العظيم، الذي عند مدخل نهر العشار، حيث لا أحد يقدّس الشعر أكثر من تقديس العراقيين له، أسأل، أما في المدينة من يقوم بتوسعة الفسحة التي حوله؟ ومع كثيرين من محبي الشعر والرسم والموسيقى أحلم بحديقة صغيرة، تحيط التمثال، الرمز، وأذهب بحلمي بعيداً حتى لأتخيلني نائماً في المكان الرطب البليل، الذي تؤمنه السعفات الطوال، وهي تروح وتجيء على الروح العظيمة للشاعر، الذي، أقسمُ : أنْ ليس في البصرة على عظمها، بيت يخلو من رسم له، فهو مزار البصريين بحق.