قارئ يغفو على قصيدة لا تنام

رنا سفكوني

استيقظت لأروي الحكاية.
يسألني القارئ متعكزا على استفهامه, أي حكاية تقصدين؟
أضحك، وأخبره بأني الصيد الشهي في المنامات الطويلة لشاعر تسلل إلى غفوتي وراح يكتب ويكتب دون توقف.
يضحك القارئ ساخرا مما ظنه دعابة. وأضحك لسوء ظنه ثم نصمت.
ثم أطوف حول نفسي كمن يبحث عن فاتحة للكلام.
هل أبدأ بـ «كان ياماكان سالف العصر والأوان» وحكايتي ما هي إلا فعل حاضر وربما هي ثروتي التي سأجنيها من غفوات لاحقة..!
يقاطعني القارئ بسؤاله:
شاعرك هذا.. ماذا يكتب؟
قلت: يكتب ما أرويه له، ثم أستيقظ لأحكي ما كتبه لي.
لا بد بأنك وحي شعره.
لا يا صديقي بل تستطيع القول بأني شهرزادك التي تنقل إليك القصيدة كل ليلة لتجنب نفسها الطعنة من سيف ملك.
وقبل أن يضع القارئ يده على غمد الملل قلت:
«إن غافلك الحب..
سآتيك على هيئة امرأة
سرتها بئر.
وإن غافلك الموت..
فلا خوف عليك
سآتيك على هيئة قبر
ونذهب في التسمية بعيدا
لنسمي الغيب
ولادة».
يعدل من جلسته، ويرخي زفيرا يوشك أن يفضح استسلامه، فأتابع قائلة:
النوم أول عتبات الشعر، تراني أغفو ثم يصحو الشاعر في منامي ليلقي على مسامعي شعرا لم أدرك مثيله عند الشعراء المستيقظين. نمشي طويلا، نراقب صغائر الأحلام، ونجلس إلى ضفة الكلام الذي لا يكف عن التدفق.
نرسم شكلا جديدا لمطالع القصائد، نفرد في كل بيت جديلة ليتعلق القارئ بشرائطها، ونترك نافذة مفتوحة على النهايات.
يصفق القارئ فأضحك، ثم أخبره بأن التصفيق لا يجب أن يكون لي، أو لشاعري، أو للقصيدة.
يسحب عكاز استفهامه، فأجيبه:
التصفيق لك، لك وحدك.
يخبرني بأنه لم يقم سوى بالاستماع، فكيف يكافأ بالتصفيق.
فأهمس له: لو أنك لم تستمع، لماتت شهرزاد القصيدة منذ زمن.
يعود لموضعه مرخيا ابتسامة الجائع لطبق شعر طازج.
فأنهال عليه بترتيل القصائد إلى أن يغفو ثم يلتقيني في مناماته.
يستسلم القارئ، فأعلم بأنه بات طريدتي المسالمة والمطواعة، وأدرك أن في الشعر فخاخ كثيرة، غير أننا لم نكترث بطريقة تقديم الطعم للطريدة.
لم أكن فقط شهرزاد، بل كنت الصياد الذي حمل سهما صوبه إلى مسمع القارئ الحذر، القارئ الذي لا يكف عن التلفت إلى واجهات المكتبات وغرز بصره في عناوينها، ثم طعنها بتجاهله.
بت واثقة من نتائج هذا الصيد الذي سيصحو فلا يجدني ثم سيخرج كتائهٍ يبحث عن عنوان لي أو مطلع أو ربما يفيض به الرجاء بأن يتعثر بمفردة من مفرداتي.
وسيلوح بعكازه سائلا:
من تلك المرأة..؟
إلى أن يضنيه السؤال فيعلم أن كل قصيدة هي امرأة نابضة تخرج لقارئ يتقن سماعها.
امرأة يحلو لها أن تفتح نوافذه على الدهشة، وتسحبه من سكونه إلى سكينتها، تتقن تطريز الحزن بفواصلها، وتترك فوق ندباته نقشا على هيئة نقطة في آخر الكلام.
نام القارئ، ثم دخل المنام، فجلست إلى جواره أمسد له درب الأحلام، ثم أرخيت المفردات كأقراط ترن قرب مسمعه قائلة:
مذهب الشاعر
في ذمة امرأة
صاغ الحُسن علتها
فصار الشِعر حلتها
تركت القارئ لخلوة المنامات، وخرجت أبحث عن طرائد أعياها غياب الكلام، طرائد تستحق أن أفرد لها دربا مفروشا بأفخاخ المفردات.
أنا القصيدة، إن قلتني أحييتني، وإن أغفلتني غاب عنك سحر شهرزاد.