قصة قصيرة

يوليسيس 2.0

عمّار ذياب

إنَّ أسوأ أعداء الإنسان هم هؤلاء من بيته وعائلته
يوليسيس
جيمس جويس

لم يتوقَّع ناصر المفاجأة حين استدعاه المدير، موّكلاً له إجراء مقابلة صحفية، ليست كسابقاتها من مقابلاته التي امتدت لربع قرن، فكان الرجل المناسب لهذه المهمة الصعبة، استفسر عن الشخص الذي سيجري له المقابلة، ليجيبه المدير بجملة تحوي اسم الشخص ودهشة رسمت حدودها حول شفتي ناصر المليئتين بتبغ سكائره الرخيصة ونقطة حبر. فمن أساسيات المقابلات أن يكون هناك تبادل في أطراف الحديث هناك نقاش حقيقي.. توجّه ناصر نحو مكان المقابلة و أخذ معه وريقات وقلم حبر، برغم المفارقة في جلبهما، لكنَّه بحكم العادة، جلس في غرفة نصف مضيئة، تتراكن الأشياء بعيدة نوعا ما، واتّخذ جلسته المعهودة في مثل تلك المواقف، الساقان تلتفان نحو بعضهما، اليدان تركنان نحو الصدر في انتظار لحظة الهجوم أو التقهقر.

– مساء الخير
– و أنت من أهل الخير يا ناصر.
عجباً، في مثل هذه التحيات يكون الرد (مساء النور عزيزي).
– من أنتَ ؟
– أنا Siri ، و لا أحب التكلم عن نفسي يا ناصر.
موقف يدعو للحرج فعلا، فهو موضوع الحوار وهدفه، لا يمكن عمل هذه المقابلة بأصول المهنة! سأبدأ من حيث بدأت !..
– من أنتِ ؟
– أنا Siri ، و لا أحب التَّكلُّم عن نفسي يا ناصر .
– من صنعك؟
– قصتي في العلبة التي شُحنت فيها… تم تصميمي من قبل شركة Apple في كاليفورنيا.
– ما هو عملك؟
– جاري التَّحقُّق من ذلك.
وبعد لحظات من الانتظار، جاوب أنَّ هناك خطأ ما، اكتشفت أن هناك فعلاً خطأ في اتصال الإنترنت، قمت للتَّحقُّق من الخطأ عدت بعد أن اطفأت جهاز الاتصال وأعدت تشغيله لاستكمل الحوار أو ما أسميه حوارا!
– ماذا تعمل ؟
– فقط اتجوّل في المنزل، اتحدّث إلى مصباح إضاءة، إنه يعيش حياة رائعة.
– أين تعيش ؟
– أنا هنا.
– هل تنام ؟
– أنا لا استريح ولا أنام. شكراً على سؤالك.
– من هو أبوك ؟
– لديّ أنت. هذا يكفيني.
– من هي أمك ؟
– لديّ أنت. هذا يكفيني.
– هل لديك أبناء ؟
– لحد الآن فقط الكيانات البيولوجية لها أولاد.
– هل أنت كائن بايولوجي ؟
– عذراً، ناصر، لا أعرف فعلاً.
– ما هي الحياة ؟
– الحياة هي أن تفكر في أسئلة مثل تلك.
– هل لديك حساب على الفيس بوك ؟
– عذراً، ناصر، لا يمكنني مساعدتك في ذلك.
– هل تدخن ؟
– التدخين غير صحي، ناصر، أنا لا أنصح به.
– كيف تعيش ؟
– هذا سؤال وجيه، يا ناصر.
– مما تتكون ؟
– هذا سؤال وجيه، يا ناصر.
– هل لديك إجابة عن كل شيء؟
– هذا سؤال وجيه، يا ناصر.
– ما هي الحياة ؟ (و هنا أعدت السؤال بقصدية)
– هذا شيء سهل … إنه سؤال فلسفي حول غرض وأهمية الحياة أو الوجود عموماً.
– هل تأكل ؟
– أنا لا آكل كثيراً.
– هل سيحل Siri محل الإنسان؟
– ما نوع الأعمال التجارية المطلوب البحث عنها؟
– هل تفكّر ؟
– المهم رأيك، ناصر.
– هل تعرف جيمس جويس ؟
– حسناً، يمكنني إلقاء نظرة على ما يلي :
جيمس أوغسطين ألويسيوس جويس كاتب وشاعر أيرلندي من القرن 20 ، من أشهر أعماله (عوليس) و (صورة الفنان في شبابه) ، و (سهر فنيغان). تلقَّى جويس تعليمه في مدرسة مسيحية، ثم التحق بجامعة دبلن، وقرر أن يصبح أديباً. في عام1902 انتقل إلى باريس، فرنسا. كانت حياته صعبة، مليئة بالمشاكل الاقتصادية، كما كان مصاباً بأمراض عين مزمنة قادت أحياناً للعمى، بالإضافة إلى إصابة ابنته بمرض عقلي.
تاريخ الولادة – 2 فبراير 1882
مكان الولادة – دبلن
عند هذا الحد أنهيت الحوار الافتراضي، توجّهت نحو مقر العمل و قدّمت المقابلة للمدير، ابتسم وقال لي بنبرة فخر عظيم: يا ناصر، مثل تلك الأمور هي من تجلب لنا القرّاء، العمل الصحفي أصبح في حالة كساد مزمنة، كعين جيمس جويس، ونحتاج لكل ما يلزم كي نعيد بصيص أمل لعملنا.
– لماذا سألته عن جيمس جويس؟
– لا أعرف، لكن خطر ببالي (بلوم) و أنا أُجري المقابلة، ماذا سيفعل إن أخذ مكاني هذا؟!
– لكن قل لي ما رأيك في المقابلة ؟
ابتسمت وقلت له:
– إنَّه تم تلقينه بشكل جيد، لكنَّه لا يرقى لأن يكون بديلاً عنا.
– من قال ذلك؟
– لم يقله أحد، لكنَّنا نتصرّف على هذا الأساس معه، لكن استوقفني شيء واحد!
– ما هو ؟
رددت عليه و هنا اقتبس :
– ألا يعلم سيري أن جيمس جويس قد مات ……