قصص قصيرة جداً

إبراهيم سبتي

غرنوي العجيب

كلما ينتهي من قراءة رواية باتريك زوسكيند «العطر» يبادر الى شم ملابسه وفراشه ووسادته وكتبه ويحرك انفه يمينا ويسارا باحثا عن عطره المفقود الذي تمنى ان يملكه وحده .. شم عطرا من زجاجته غالية الثمن .. حملها الى سوق النساء، ساح جسده بين الأجساد المتراصة وافرغ من عطره الثمين قليلا فوق رأسه.. لم تلتفت اليه أي منهن، لم يمزقن ملابسهن إعجابا بعطره الغالي.. غرنوي بطل «العطر» أنقذ نفسه بطريقة غير مسبوقة من المقصلة برشة من عطره الساحر فتحول الجمهور الغاضب الى أناس تتعاطف وتبكي وتتمنى الوصول الى جسده النحيف، وفي المرة الثانية رش من عطره ليموت مأكولا متلاشيا.. في السوق، سكب كل ما تبقى من القنينة الثمينة على ملابسه، لم يلتفت إليه شخص ما.. جلس على الأرض محاولا التفكير بطريقة أخرى يجعل المارة تميته إعجابا كموت بطل الرواية . عاد الى « العطر» يقرأها للمرة العشرين ليتعلم طريقة صنع العطر السحري لغرنوي العجيب .

موت المؤلف

كان المؤلف يشاهد مسرحيته المعروضة على الخشبة، الناس تصفق للممثلين الذين ظهروا بالتتابع، تحمسوا بحواراتهم الموتورة.. بكى احدهم ساقطا على الارض، الثاني خطف الفتاة وانطلق خارجا من الخشبة.. لم يتبق سوى ممثل واحد يحاور نفسه بسخونة معاتبا.. نهض المؤلف من بين الجمهور مستنكرا ما يفعله الممثل .. صرخ محتجا بأعلى صوته :
خرجتم عن نصي، لم اكتب هذا الهراء! من اين جئتم بهذا التخريف.. رد عليه الممثل ببرود :
ـ من أنت ؟
اندهش المؤلف الغاضب وصاح بالجمهور :
تلاعبوا بما كتبت لهم ..
نزل الممثلون الى القاعة بهراواتهم فاشبعوا الرجل ضربا ..
صرخ باكيا :
لم اكتب هذا المشهد ابدا !
صفق الجمهور بحرارة وأسدلت الستارة وأنيرت القاعة على رجل مضرجا بدمائه ..

وردةٌ في حربٍ

دوي الموت يثير الرهبة في أرواحنا المحاولة تسجيل يوم آخر في تقويم الحياة .. اشطب يوما ليصير من الماضي المخيف وأُصبح على موت جديد، كان ملجأ بحجم جسدين نحيلين وسقف خشبي مهلهل لا يذود عنا المخاطر .. لمحت على أمتار، وردة تنبت وحيدة في قارعة العصف اليومي . تهزها الريح مرة ورعب الموت مرات . وحيدة في فراغ الخوف الممتد على صفحة البصر . في لحظة خدعة للموت الجارف وفي ليل غير رحيم .. قفزتُ تلك الأمتار كسحلية تفر من مصير أوقعها فيه من لا يرحمها .. حفرت حول قطرها اقتلعتها من جذورها ووضعت ترابها في كيس نايلون صغير فوقفت شامخة ترفع عودها الطري من وسطه الى حيث الحياة .. عدت كالمصعوق الى ملجأي، صاحبي يضحك رغم سطوة الموت .. وردة في حرب .
حملتها مع اقرب إجازة دورية . حميتها بكل دهائي حتى الوصول الآمن، وضعتها في حديقة بيتي الصغيرة فكانت زاهية بارعة البهاء وفكرت بجرف كل الشجيرات والورود الذابلة والضعيفة من حولها .. انها تستحق التضحية، أُسقيها واجلس مذهولا بألوانها رغم أنها تحيل ذاكرتي الى هول الموت وأزيز الدوي .. انتهت إجازتي .
في آخر صباح، جرجرت قوتي وبقايا أنفاسي الدافئة لالتحق بثنايا الموت المحلق فوق الرؤوس هناك .. ودعّت من في بيتي باكين على موتي المؤجل الأكيد، تذكرت وردتي، حملت كلي إليها، فوجئت بسقوطها ذابلة في الطين تفوح منها رائحة بارود قوية ما لبثت ان اقتحمت البيت وانتشرت في فضاء الشارع والجيران ..

كارمن

دارت الاسطوانة في جهاز جرامافون خشبي قديم، الغرفة تغط في ظلام عميق .. ينفث دخان سيجارته مستمتعا متلذذا بكارمن التي سحرته قصتها قبل أنغامها .. غجرية جميلة متعالية ، توقع الرجال في حبائلها الا آخرهم المدعو نافورو الجندي الباسيكي المطيع الذي وقع في حبها المدمر الصاخب فدفعهما الى ارتكاب جرائم أودت بعشيقها الى المقصلة بعد ان قتلها .. هي هكذا تحب إضعاف الرجال بعد إغوائهم حتى وصلت الى نهايتها المأساوية .. يستعيد ما يتذكره من رواية بروسبير ميرميه .. كارمن تحوم في فضاء الغرفة الغائصة بالليل والدخان وشبح كارمن .. كارمن تختلف عن ما سمعه من تشاكوفسكي وباخ وموزارت وبتهوفن، هي شيء آخر تماما، رغبة عارمة أخذته الى الجميلة الغجرية ، الفاتنة التي تصنع الخدائع للإيقاع بضحاياها كما كتبها ميرميه وكما موسقّها الفرنسي جورج بيزيه .. تدور الاسطوانة وتدور معها تخيلاته في رسم وجه كارمن الساحر المفتونة بأنوثتها، الوجه المثير كما قرأه .. يحاول القفز على أنغام الاسطوانة هائما معها في شوارع اسبانيا، نهض يدور تحت جنح الظلام الساكن ، يلمح الجندي نافورو وهو يحضن كارمن المحروسة فيما تراقص دخانه ملتفا حوله وهو في انتشاء غريب .. توقفت الاسطوانة .. انتهى دورانها . وتوقف مذعورا على طرقات الباب .. كانت زوجته تحمل قائمة طلبات البيت التي لا تنتهي .. وضع الورقة فوق الاسطوانة المتوقفة وراح يدور في الغرفة متألما فضاعت صرخات زوجته بمطاليبها منتشيا باغواءات كارمن الفاتنة المقتولة بخنجر عشيقها المخدوع ..